إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٣ - و يستحب أن لا ينام على الشبع
قال تشرب سكنجبينا،و تمص سفرجلا،و تأكل بعد ذلك اسفيذباجا .فقال له بشر،هل تعلم شيئا أقل من السكنجبين يقوم مقامه؟قال لا.قال أنا أعرف.قال ما هو؟قال الهندبا بالخل.ثم قال،أ تعرف شيئا أقل من السفرجل يقوم مقامه؟قال لا.قال أنا أعرف.
قال ما هو؟قال الخرنوب الشامي.قال فتعرف شيئا أقل من الاسفيذباج يقوم مقامه؟ قال لا.قال أنا أعرف.ماء الحمص بسمن البقر في معناه.فقال له عبد الرحمن،أنت أعلم منى بالطب،فلم تسألني؟ فقد عرفت بهذا أن هؤلاء امتنعوا من الشهوات،و من الشبع من الأقوات.و كان امتناعهم للفوائد التي ذكرناها.و في بعض الأوقات لأنهم كانوا لا يصفو لهم الحلال،فلم يرخصوا لأنفسهم إلاّ في قدر الضرورة.و الشهوات ليست من الضرورات،حتى قال أبو سليمان:الملح شهوة،لأنه زيادة على الخبز،و ما وراء الخبز شهوة.و هذا هو النهاية.فمن لم يقدر على ذلك فينبغي أن لا يغفل عن نفسه،و لا ينهمك في الشهوات.فكفى بالمرء إسرافا أن يأكل كل ما يشتهيه،و يفعل كل ما يهواه .فينبغي أن لا يواظب على أكل اللحم.قال على كرم اللّه وجهه،من ترك اللحم أربعين يوما ساء خلقه،و من داوم عليه أربعين يوما قسا قلبه.و قيل إن للمداومة على اللحم ضراوة كضراوة الخمر و مهما كان جائعا،و تاقت نفسه إلى الجماع،فلا ينبغي أن يأكل و يجامع،فيعطى نفسه شهوتين ،فتقوى عليه.و ربما طلبت النفس الأكل لينشط في الجماع
و يستحب أن لا ينام على الشبع
،فيجمع بين غفلتين،فيعتاد الفتور،و يقسو قلبه لذلك و لكن ليصل،أو ليجلس فيذكر اللّه تعالى،فإنه أقرب إلى الشكر.و في الحديث[١] «أذيبوا طعامكم بالذّكر و الصّلاة و لا تناموا عليه فتقسو قلوبكم »و أقل ذلك أن يصلى أربع ركعات،أو يسبح مائة تسبيحة،أو يقرأ جزأ من القرءان عقيب أكله.فقد كان سفيان الثوري إذا شبع ليلة أحياها.و إذا شبع في يوم واصله بالصلاة و الذكر.و كان يقول،أشبع الزنجي و كدّه،و مرة يقول،أشبع الحمار و كده