إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٠ - الوظيفة الثالثة في نوع الطعام،و ترك الأدام
اذهب بهذا و أطعمه نفس إبراهيم بن أدهم،فقد رحمها اللّه من طول صبرها على ما يحملها من منعها اعلم يا إبراهيم أنى سمعت الملائكة يقولون،من أعطى فلم يأخذ،طلب فلم يعط،فقلت.
إن كان كذلك فها أنا بين يديك لأجل العقد مع اللّه تعالى.ثم التفت فإذا أنا بفتى آخر، ناوله شيئا و قال،يا خضر لقمه أنت.فلم يزل يلقمنى حتى نعست فانتبهت و حلاوته في فمي قال شقيق فقلت أرني كفك.فأخذت بكفه فقبلتها.و قلت يا من يطعم الجياع الشهوات إذا صححوا المنع،يا من يقدح في الضمير اليقين،يا من يشفى قلوبهم من محبته،أ ترى لشقيق عندك حالا؟ثم رفعت يد إبراهيم إلى السماء و قلت،بقدر هذا الكف عندك،و بقدر صاحبه،و بالجود الذي وجد منك،جد على عبدك الفقير إلى فضلك و إحسانك و رحمتك و إن لم يستحق ذلك.قال فقام إبراهيم و مشى حتى أدركنا البيت و روي عن مالك بن دينار،أنه بقي أربعين سنة يشتهي لبنا،فلم يأكله ،و أهدى إليه يوما رطب فقال لأصحابه كلوا،فما ذقته منذ أربعين سنة.و قال أحمد بن أبي الحواري اشتهى أبو سليمان الداراني رغيفا حارا بملح،فجئت به إليه،فعض منه عضة ثم طرحه،و أقبل يبكى و قال،عجلت إلى شهوتي بعد إطالة جهدى و اشقوتي.قد عزمت على التوبة فأقلنى قال أحمد فما رأيته أكل الملح حتى لقى اللّه تعالى .و قال مالك بن ضيغم،مررت بالبصرة في السوق،فنظرت إلى البقل،فقالت لي نفسي لو أطعمتنى الليلة من هذا؟فأقسمت أن لا أطعمها إياه أربعين ليلة.
و مكث مالك بن دينار بالبصرة خمسين سنة،ما أكل رطبة لأهل البصرة و لا بسرة قط و قال يا أهل البصرة،عشت فيكم خمسين سنة ما أكلت لكم رطبة و لا بسرة،فما زاد فيكم ما نقص منى،و لا نقص منى ما زاد فيكم،و قال :طلقت الدنيا منذ خمسين سنة،اشتهت نفسي لبنا منذ أربعين سنة،فو اللّه لا أطعمها حتى ألحق باللّه تعالى و قال حماد بن أبي حنيفة ،أتيت داود الطائي،و الباب مغلق عليه،فسمعته يقول، نفسى اشتهيت جزرا فأطعمتك جزرا.ثم اشتهيت تمرا فآليت أن لا تأكليه أبدا.فسلمت و دخلت،فإذا هو وحده .و مر أبو حازم يوما في السوق،فرأى الفاكهة فاشتهاها.فقال لابنه،اشتر لنا من هذه الفاكهة المقطوعة الممنوعة،لعلنا نذهب إلى الفاكهة التي لا مقطوعة