إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٩ - بيان
لا محالة،فإن الثواب بأزاء الأثر،و كذلك المعصية و كم من فقيه يستهين بتعطيل يوم و ليلة،و هكذا على التوالي،يسوف نفسه يوما فيوما إلى أن يخرج طبعه عن قبول الفقه.فكذا من يستهين صغائر المعاصي،و يسوف نفسه بالتوبة على التوالي،إلى أن يختطفه الموت بغتة،أو تتراكم ظلمة الذنوب على قلبه و تتعذر عليه التوبة،إذ القليل يدعو إلى الكثير،فيصير القلب مقيدا بسلاسل شهوات لا يمكن تخليصه من مخالبها.و هو المعنى بانسداد باب التوبة.و هو المراد بقوله تعالى وَ جَعَلْنٰا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا [١]الآية.و لذلك قال عليّ رضي اللّه عنه،إن الإيمان ليبدو في القلب نكتة بيضاء،كلما ازداد الإيمان ازداد ذلك البياض،فإذا استكمل العبد الإيمان ابيض القلب كله.و إن النفاق ليبدو في القلب نكتة سوداء،كلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد،فإذا استكمل النفاق اسودّ القلب كله فإذا عرفت أن الأخلاق الحسنة تارة تكون بالطبع و الفطرة، و تارة تكون باعتياد الأفعال الجميلة،و تارة بمشاهدة أرباب الفعال الجميلة و مصاحبتهم،و هم قرناء الخير،و إخوان الصلاح إذ الطبع يسرق من الطبع الشر و الخير جميعا.فمن تظاهرت في حقه الجهات الثلاث حتى صار ذا فضيلة طبعا و اعتيادا و تعلما،فهو في غاية الفضيلة.و من كان رذلا بالطبع،و اتفق له قرناء السوء،فتعلم منهم،و تيسرت له أسباب الشر حتى اعتادها،فهو في غاية البعد من اللّه عز و جل.و بين الرتبتين من اختلفت فيه هذه الجهات،و لكل درجة في القرب و البعد بحسب ما تقتضيه صفته و حالته فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [٢]وَ مٰا ظَلَمَهُمُ اللّٰهُ،وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [٣]
بيان
تفصيل الطريق إلى تهذيب الأخلاق
قد عرفت من قبل أن الاعتدال في الأخلاق هو صحبة النفس،و الميل عن الاعتدال سقم و مرض فيها،كما أن الاعتدال في مزاج البدن هو صحة له، و الميل عن الاعتدال مرض فيه.فلنتخذ البدن مثالا فنقول.
[١] يس:٩
[٢] الزلزال:٧ و ٨
[٣] النحل:٣٣