إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٧ - ثم لا يكفي في نيل السعادة الموعودة على حسن الخلق،استلذاذ الطاعة
و مع ذلك فهو يحبه،و يلتذ به.و ذلك لطول ألفه له و صرف نفسه إليه مدة و كذلك اللاعب بالحمام، قد يقف طول النهار في حر الشمس،قائما رجليه.و هو لا يحس بألمها،لفرحه بالطيور و حركاتها،و طيرانها و تحليقها في جو السماء بل نرى الفاجر العيار،يفتخر بما يلقاه من الضرب و القطع،و الصبر على السياط، و على أن يتقدم به للصلب،و هو مع ذلك متبجح بنفسه،و بقوته في الصبر على ذلك،حتى يرى ذلك فخرا لنفسه.و يقطع الواحد منهم إربا إربا،على أن يقر بما تعاطاه أو تعاطاه غيره فيصر على الإنكار،و لا يبالي بالعقوبات،فرحا بما يعتقده كمالا و شجاعة و رجولية.فقد صارت أحواله مع ما فيها من النكال،قرة عينه،و سبب افتخاره بل لا حالة أخس و أقبح من حال المخنث في تشبهه بالإناث،في نتف الشعر،و وشم الوجه،و مخالطة النساء. فترى المخنث في فرح بحاله،و افتخار بكماله في تخنثه،يتباهى به مع المخنثين.حتى يجرى بين الحجامين و الكناسين التفاخر و المباهاة،كما يجرى بين الملوك و العلماء فكل ذلك نتيجة العادة و المواظبة على نمط واحد على الدوام،مدة مديدة و مشاهدة ذلك في المخالطين و المعارف.فإذا كانت النفس بالعادة تستلذ الباطل، و تميل إليه و إلى القبائح،فكيف لا تستلذ الحق لو ردّت إليه مدة،و التزمت المواظبة عليه!بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع،يضاهي الميل إلى أكل الطين.فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة.فأما ميله إلى الحكمة،و حب اللّه تعالى،و معرفته،و عبادته،فهو كالميل إلى الطعام و الشراب،فإنه مقتضى طبع القلب.فإنه أمر ربانىّ.و ميله إلى مقتضيات الشهوة غريب من ذاته،و عارض على طبعه.و إنما غذاء القلب الحكمة و المعرفة،و حب اللّه عز و جل.
و لكن انصرف عن مقتضى طبعه لمرض قد حل به،كما قد يحل المرض بالمعدة،فلا تشتهي الطعام و الشراب،و هما سببان لحياتها.فكل قلب مال إلى حب شيء سوى اللّه تعالى،فلا ينفك عن مرض بقدر ميله،إلا إذا كان أحب ذلك الشيء لكونه معينا له على حب اللّه تعالى، و على دينه،فعند ذلك لا يدل ذلك على المرض فإذا قد عرفت بهذا قطعا،أن هذه الأخلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة، و هي تكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء،لتصير طبعا انتهاء.و هذا من عجيب العلاقة بين