إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٨ - ثم لا يكفي في نيل السعادة الموعودة على حسن الخلق،استلذاذ الطاعة
القلب و الجوارح،أعنى النفس و البدن.فإن كل صفة تظهر في القلب،يفيض أثرها على الجوارح،حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة.و كل فعل يجرى على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب.و الأمر فيه دور،و يعرف ذلك بمثال،و هو أن من أراد أن يصير الحذق في الكتابة له صفة نفسية،حتى يصير كاتبا بالطبع،فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد،ما يتعاطاه الكاتب الحاذق،و يواظب عليه مدة طويلة،يحاكى الخط الحسن فإن فعل الكاتب هو الخط الحسن.فيتشبه بالكاتب تكلفا،ثم لا يزال يواظب عليه، حتى يصير صفة راسخة في نفسه،فيصدر منه في الآخر الخط الحسن طبعا، كما كان يصدر منه في الابتداء تكلفا.فكان الخط الحسن،هو الذي جعل خطه حسنا.و لكن الأول بتكلف،إلا أنه ارتفع منه أثر إلى القلب،ثم انخفض من القلب إلى الجارحة،فصار يكتب الخط الحسن بالطبع.
و كذلك من أراد أن يصير فقيه النفس،فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء و هو التكرار للفقه،حتى تنعطف منه على قلبه صفة الفقه،فيصير فقيه النفس.
و كذلك من أراد أن يصير سخيا عفيف النفس،حليما متواضعا،فيلزمه أن يتعاطى أفعال هؤلاء تكلفا،حتى يصير ذلك طبعا له،فلا علاج له إلا ذلك.و كما أن طالب فقه النفس، لا ييأس من نيل هذه الرتبة بتعطيل ليلة، و لا ينالها بتكرار ليلة،فكذلك طالب تزكية النفس و تكميلها،و تحليتها بالأعمال الحسنة،لا ينالها بعبادة يوم،و لا يحرم عنها بعصيان يوم.و هو معنى قولنا،إن الكبيرة الواحدة لا توجب الشقاء المؤبد،و لكن العطلة في يوم واحد تدعو إلى مثلها،ثم تتداعى قليلا قليلا،حتى تأنس النفس الكسل،و تهجر التحصيل رأسا،فيفوتها فضيلة الفقه.و كذلك صغائر المعاصي،يجر بعضها إلى بعض، حتى يفوت أصل السعادة،بهدم أصل الإيمان عند الخاتمة. و كما أن تكرار ليلة لا يحس تأثيره في فقه النفس، بل يظهر فقه النفس شيئا فشيئا على التدريج،مثل نمو البدن،و ارتفاع القامة،فكذلك الطاعة الواحدة لا يحس تأثيرها في تزكية النفس و تطهيرها في الحال و لكن لا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعة،فإن الجملة الكثيرة منها مؤثرة،و إنما اجتمعت الجملة من الآحاد،فلكل واحد منها تأثير.فما من طاعة إلا و لها أثر و إن خفى،فله ثواب