إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٦ - و أما آداب التقديم فترك التكلف أوّلا
قوله تعالى أَوْ صَدِيقِكُمْ [١]فقال فمن الصديق يا أبا سعيد؟قال من استروحت إليه النفس، و اطمأن إليه القلب.و مشى قوم إلى منزل سفيان الثوري فلم يجدوه،ففتحوا الباب،و أنزلوا السفرة،و جعلوا يأكلون.فدخل الثوري و جعل يقول:ذكرتموني أخلاق السلف، هكذا كانوا.و زار قوم بعض التابعين،و لم يكن عنده ما يقدمه إليهم،فذهب إلى منزل بعض إخوانه،فلم يصادفه في المنزل،فدخل فنظر إلى قدر قد طبخها،و إلى خبز قد خبزه و غير ذلك،فحمله كله،فقدمه إلى أصحابه،و قال كلوا.فجاء رب المنزل فلم ير شيئا.فقيل له قد أخذه فلان،فقال قد أحسن.فلما لقيه قال يا أخي إن عادوا فعد فهذه آداب الدخول
آداب تقديم الطعام
و أما آداب التقديم فترك التكلف أوّلا
،و تقديم ما حضر.فان لم يحضره شيء و لم يملك، فلا يستقرض لأجل ذلك،فيشوّش على نفسه.و ان حضره ما هو محتاج إليه لقوته،و لم تسمح نفسه بالتقديم،فلا ينبغي أن يقدم.دخل بعضهم على زاهد و هو يأكل،فقال:
لو لا انى أخذته بدين لأطعمتك منه.و قال بعض السلف في تفسير التكلف،أن تطعم أخاك ما لا تأكله أنت،بل تقصد زيادة عليه في الجودة و القيمة.و كان الفضيل يقول:انما تقاطع الناس بالتكلف،يدعو أحدهم أخاه،فيتكلف له فيقطعه عن الرجوع إليه.و قال بعضهم:
ما أبالي بمن أتاني من إخواني،فانى لا أتكلف له،انما أقرّب ما عندي،و لو تكلفت له لكرهت مجيئه و مللته.و قال بعضهم:كنت أدخل على أخ لي فيتكلف لي،فقلت له إنك لا تأكل وحدك هذا،و لا أنا،فما بالنا إذا اجتمعنا أكلناه!فاما أن تقطع هذا التكلف،أو أقطع المجيء.فقطع التكلف،و دام اجتماعنا بسببه و من التكلف أن يقدم جميع ما عنده،فيجحف بعياله و يؤذى قلوبهم.روى أن رجلا دعا عليا رضى اللّه عنه،فقال على:أجيبك على ثلاث شرائط:لا تدخل من السوق شيئا، و لا تدخر ما في البيت،و لا تجحف بعيالك.و كان بعضهم يقدم من كل ما في البيت فلا يترك
[١] النور:٦١