إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥١ - الرابع و هو أشرف البواعث الحب للّٰه
المجردة دون النظر و دون الطمع في أمر آخر سواه،و كان يتنعم بإظهار حبه عليه و ذكره بلسانه بمسح منه،و إن كان ذلك أيضا معلوما عنده فان قلت إنه ينتظر جوابه،فليتلذذ بسماع جوابه،و ليس يسمع كلام اللّه تعالى فاعلم أنه كان يعلم أنه لا يجيبه و يسكت عنه فقد بقيت له أيضا لذة في عرض أحواله عليه،و رفع سريرته إليه كيف و الموقن يسمع من اللّه تعالى كل ما يرد على خاطره في أثناء مناجاته،فيتلذذ به،و كذا الذي يخلو بالملك و يعرض عليه حاجاته في جنح الليل يتلذذ به في رجاء إنعامه،و الرجاء في حق اللّه تعالى أصدق،و ما عند اللّه خير و أبقى و أنفع مما عند غيره فكيف لا يتلذذ بعرض الحاجات عليه في الخلوات و أما النقل:فيشهد له أحوال قوام الليل في تلذذهم بقيام الليل،و استقصارهم له كما يستقصر المحب ليلة وصال الحبيب،حتى قيل لبعضهم:كيف أنت و الليل؟قال ما راعيته قط،يريني وجهه ثم ينصرف،و ما تأملته بعد،و قال آخر:أنا و الليل فرسا رهان،مرة يسبقني إلى الفجر،و مرة يقطعنى عن الفكر،و قيل لبعضهم كيف الليل عليك،فقال ساعة أنا فيها بين حالتين أفرح بظلمته إذا جاء،و أغتم بفجره إذا طلع،ما تم فرحي به قط،و قال على بن بكار:منذ أربعين سنة ما أحزننى شيء سوى طلوع الفجر،و قال الفضيل بن عياض:إذا غربت الشمس فرحت بالظلام،لخلوتي بربي و إذا طلعت حزنت لدخول الناس على،و قال أبو سليمان:أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم،و لو لا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا،و قال أيضا لو عوض اللّه أهل الليل من ثواب أعمالهم ما يجدونه من اللذة لكان ذلك أكثر من ثواب أعمالهم،و قال بعض العلماء:ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة،و قال بعضهم:لذة المناجاة ليست من الدنيا،إنما هي من الجنة،أظهرها اللّه تعالى لأوليائه لا يجدها سواهم،و قال ابن المنكدر:ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث:قيام الليل،و لقاء الإخوان،و الصلاة في الجماعة،و قال بعض العارفين:
إن اللّه تعالى ينظر بالأسحار إلى قلوب المتيقظين فيملؤها أنوارا،فترد الفوائد على قلوبهم فتستنير ثم تنتشر من قلوبهم العوافي إلى قلوب الغافلين،و قال بعض العلماء من القدماء:إن اللّه تعالى أوحى إلى بعض الصديقين:ان لي عبادا من عبادي أحبهم و يحبونني،و يشتاقون إلىّ أشتاق إليهم،و يذكرونني و أذكرهم،و ينظرون إلىّ و أنظر إليهم:فان حذوت طريقهم أحببتك