إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٨ - الرابع أن لا يبادر إلى رفع الألوان
خير من زيادة لونين و يقال إن الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها بقل،فذلك أيضا مستحب و لما فيه من التزين بالخضرة،و في الخبر إن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل كان عليها من كل البقول إلا الكراث و كان عليها سمكة عند رأسها خل،و عند ذنبها ملح،و سبعة أرغفة،على كل رغيف زيتون و حب رمان فهذا إذا اجتمع حسن للموافقة:
الثالث:أن يقدم من الألوان ألطفها
،حتى يستوفى منها من يريد،و لا يكثر الأكل بعده.و عادة المترفين تقديم الغليظ،ليستأنف حركة الشهوة بمصادفة اللطيف بعده.و هو خلاف السنة.فإنه حيلة في استكثار الأكل.و كان من سنة المتقدمين أن يقدموا جملة الألوان دفعة واحدة،و يصففون القصاع من الطعام على المائدة،ليأكل كل واحد مما يشتهي.و أن لم يكن عنده إلا لون واحد،ذكره،ليستوفوا منه،و لا ينتظروا أطيب منه و يحكى عن بعض أصحاب المروءات،أنه كان يكتب نسخة بما يستحضر من الألوان، و يعرض على الضيفان.و قال بعض الشيوخ:قدم إلىّ بعض المشايخ لونا بالشام،فقلت عندنا بالعراق إنما يقدم هذا آخرا!فقال و كذا عندنا بالشام.و لم يكن له لون غيره.فخجلت منه و قال آخر:كنا جماعة في ضيافة،فقدم إلينا ألوان من الرءوس المشوية،طبيخا و قديدا،فكنا لا نأكل،ننتظر بعدها لونا أو حملا فجاءنا بالطست،و لم يقدم غيرها فنظر بعضنا إلى بعض فقال بعض الشيوخ و كان مزاحا،إن اللّه تعالى يقدر ان يخلق رءوسا بلا أبدان.قال،و بتنا تلك الليلة جياعا نطلب فتيتا إلى السحور.فلهذا يستحب أن يقدم الجميع،أو يخبر بما عنده
الرابع:أن لا يبادر إلى رفع الألوان
قبل تمكنهم من الاستيفاء،حتى يرفعوا الأيدي عنها.فلعل منهم من يكون بقية ذلك اللون أشهى عنده مما استحضروه،أو بقيت فيه حاجة إلى الأكل،فيتنغص عليه بالمبادرة.و هي من التمكن عام المائدة،التي يقال انها خير من لونين.فيحتمل أن يكون المراد به قطع الاستعجال.و يحتمل أن يكون أراد به سعة المكان.حكى عن الستورى،و كان صوفيا مزاحا،فحضر عند واحد من أبناء الدنيا على مائدة فقدم إليهم حمل،و كان في صاحب المائدة بخل،فلما رأى القوم مزقوا الحمل كل ممزق، ضاق صدره،و قال،يا غلام:ارفع إلى الصبيان.فرفع الحمل إلى داخل الدار.فقام الستورى