إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٢ - الأولى إحياء كل الليل
و إن عدلت عنهم مقتك قال يا رب و ما علامتهم؟قال يراعون الظلال بالنهار.كما يراعى الراعي غنمه و يحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أو كارها،فإذا جنّهم الليل،و اختلط الظلام،و خلا كل حبيب بحبيبه،نصبوا إلى أقدامهم،و افترشوا إلى وجوههم،و ناجوني بكلامي،و تملقوا إلىّ بانعامى فبين صارخ و باكى،و بين متأوّه و شاكى،بعينى ما يتحملون من أجلى،و بسمعي ما يشتكون من حبي أول ما أعطيهم،أقذف من نوري في قلوبهم،فيخبرون عنى،كما أخبر عنهم،و الثانية:لو كانت السموات السبع و الأرضون السبع و ما فيهما في موازينهم لاستقللتها لهم،و الثالثة:أقبل بوجهي عليهم،أ فترى من أقبلت بوجهي عليه أ يعلم أحد ما أريد أن أعطيه؟و قال مالك بن دينار رحمه اللّه إذا قام العبد يتهجد من الليل قرب منه الجبار عز و جل،و كانوا يرون ما يجدون من الرقة و الحلاوة في قلوبهم و الأنوار من قرب الرب تعالى من القلب،و هذا له سرو تحقيق ستأتي الإشارة إليه في كتاب المحبة و في الأخبار عن اللّه عز و جل أي عبدي،أنا اللّه الذي اقتربت من قلبك،و بالغيب رأيت نوري،و شكا بعض المريدين إلى أستاذه طول سهر الليل،و طلب حيلة يجلب بها النوم،فقال أستاذه:يا بني إن للّٰه نفحات في الليل و النهار،تصيب القلوب المتيقظة،و تخطئ القلوب النائمة،فتعرض لتلك النفحات،فقال يا سيدي تركتني لا أنام بالليل و لا بالنهار و اعلم أن هذه النفحات بالليل أرجى لما في قيام الليل من صفاء القلب و اندفاع الشواغل،و في الخبر الصحيح عن جابر بن عبد اللّه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]أنه قال«إنّ من اللّيل ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل اللّه تعالى خيرا إلاّ أعطاه إيّاه»و في رواية أخرى«يسأل اللّه خيرا من أمر الدّنيا و الآخرة إلاّ أعطاه إيّاه»و ذلك كل ليلة،و مطلوب القائمين تلك الساعة و هي مبهمة في جملة الليل كليلة القدر في شهر رمضان،و كساعة يوم الجمعة،و هي ساعة النفحات المذكورة ،و اللّه أعلم
بيان طرق القسمة لأجزاء الليل
اعلم أن إحياء الليل من حيث المقدار له سبع مراتب
الأولى:إحياء كل الليل:
و هذا شأن الأقوياء الذين تجردوا لعبادة اللّه تعالى،و تلذذوا بمناجاته،و صار ذلك غذاء لهم و حياة لقلوبهم،فلم يتعبوا بطول القيام،و ردوا المنام إلى النهار في وقت اشتغال الناس،و قد كان ذلك طريق جماعة من السلف كانوا يصلون الصبح بوضوء العشاء،