إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٩ - الأول سلامة القلب عن الحقد على المسلمين
قال رجل للحسن:يا أبا سعيد إنى أبيت معافى،و أحب قيام الليل،و أعد طهورى، فما بالى لا أقوم؟فقال ذنوبك قيدتك ،و كان الحسن رحمه اللّه:إذا دخل السوق فسمع لغطهم و لغوهم،يقول أظن أن ليل هؤلاء ليل سوء فإنهم لا يقيلون،و قال الثوري:
حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته،قيل و ما ذاك الذنب،قال رأيت رجلا يبكى، فقلت في نفسي هذا مراء،و قال بعضهم دخلت على كرز بن وبرة و هو يبكى،فقلت أتاك نعى بعض أهلك فقال أشد،فقلت وجع يؤلمك،قال أشد،قلت فما ذاك؟قال بابي مغلق، و سترى مسبل،و لم أقرأ حزبي البارحة،و ما ذاك الا بذنب أحدثته،و هذا لأن الخير يدعو إلى الخير،و الشر يدعو إلى الشر،و القليل من كل واحد منهما يجر إلى الكثير،و لذلك قال أبو سليمان الداراني:لا تفوت أحدا صلاة الجماعة إلا بذنب،و كان يقول الاحتلام بالليل عقوبة و الجنابة بعد،و قال بعض العلماء:إذا صمت يا مسكين فانظر عند من تفطر،و على أي شيء تفطر فان العبد ليأكل أكلة فينقلب قلبه عما كان عليه،و لا يعود إلى حالته الأولى،فالذنوب كلها تورث قساوة القلب،و تمنع من قيام الليل،و أخصها بالتأثير تناول الحرام،و تؤثر اللقمة الحلال في تصفية القلب و تحريكه إلى الخير ما لا يؤثر غيرها،و يعرف ذلك أهل المراقبة للقلوب بالتجربة بعد شهادة الشرع له،و لذلك قال بعضهم كم من أكلة منعت قيام ليلة،و كم من نظرة منعت قراءة سورة،و إن العبد ليأكل أكلة،أو يفعل فعلة،فيحرم بها قيام سنة،و كما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر،فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة و سائر الخيرات،و قال بعض السجانين كنت سجانا نيفا و ثلاثين سنة،أسأل كل مأخوذ بالليل،أنه هل صلى العشاء في جماعة فكانوا يقولون لا،و هذا تنبيه على أن بركة الجماعة تنهى عن تعاطى الفحشاء و المنكر
و أما الميسرات الباطنة فأربعة أمور:
الأول:سلامة القلب عن الحقد على المسلمين
،و عن البدع و عن فضول هموم الدنيا، فالمستغرق الهم بتدبير الدنيا لا يتيسر له القيام،و إن قام فلا يتفكر في صلاته إلا في مهماته، و لا يجول إلا في وساوسه و في مثل ذلك يقال
يخبرني البواب أنك نائم و أنت إذا استيقظت أيضا فنائم
الثاني:خوف غالب يلزم القلب مع قصر الأمل،فإنه إذا تفكر في أهوال الآخرة و دركات جهنم