إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٩ - الخامس أن يقدم من الطعام قدر الكفاية
يعدو خلف الحمل،فقيل له إلى أين؟فقال آكل مع الصبيان.فاستحيا الرجل و أمر برد الحمل و من هذا الفن أن لا يرفع صاحب المائدة يده قبل القوم،فإنهم يستحيون.بل ينبغي أن يكون آخرهم أكلا.كان بعض الكرام يخبر القوم بجميع الألوان،و يتركهم يستوفون.
فإذا قاربوا الفراغ،جثا على ركبتيه،و مد يده إلى الطعام و أكل،و قال،بسم اللّه،ساعدونى بارك اللّه فيكم و عليكم و كان السلف يستحسنون ذلك منه
الخامس:أن يقدم من الطعام قدر الكفاية.
فان التقليل عن الكفاية نقص في المروءة، و الزيادة عليه تصنع و مراءاة،لا سيما إذا كانت نفسه لا تسمح بان يأكلوا الكل،إلا أن يقدم الكثير،و هو طيب النفس لو أخذوا الجميع و نوى أن يتبرك بفضلة طعامهم.إذ في الحديث:لا يحاسب عليه.أحضر إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه طعاما كثيرا على مائدته، فقال سفيان،يا أبا إسحاق،أما تخاف أن يكون هذا سرفا؟فقال إبراهيم،ليس في الطعام سرف.فان لم تكن هذه النية،فالتكثير تكلف.قال ابن مسعود رضى اللّه عنه:نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه.و كره جماعة من الصحابة أكل طعام المباهاة.و من ذلك كان لا يرفع من بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فضلة طعام قط،لأنهم كانوا لا يقدمون إلا قدر الحاجة،و لا يأكلون تمام الشبع و ينبغي أن يعزل أولا نصيب أهل البيت،حتى لا تكون أعينهم طامحة إلى رجوع شيء منه،فلعله لا يرجع،فتضيق صدورهم،و تنطلق في الضيفان ألسنتهم.و يكون قد أطعم الضيفان ما يتبعه كراهية قوم.و ذلك خيانة في حقهم و ما بقي من الأطعمة،فليس للضيفان أخذه.و هو الذي تسميه الصوفية الزلة.إلا إذا صرح صاحب الطعام،بالإذن فيه عن قلب راض،أو علم ذلك بقرينة حاله،و انه يفرح به فان كان يظن كراهيته،فلا ينبغي أن يؤخذ.و إذا علم رضاه،فينبغي مراعاة العدل و النصفة مع الرفقاء.فلا ينبغي أن يأخذ الواحد إلا ما يخصه،أو ما يرضى به رفيقه عن طوع،لا عن حياء