إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٠ - الرابع و هو أشرف البواعث الحب للّٰه
طار نومه،و عظم حذره،كما قال طاوس إن ذكر جهنم طير نوم العابدين،و كما حكى أن غلاما بالبصرة اسمه صهيب كان يقوم الليل كله،فقالت له سيدته إن قيامك بالليل يضر بعملك بالنهار،فقال إن صهيبا إذا ذكر النار لا يأتيه النوم،و قيل لغلام آخر و هو يقوم كل الليل،فقال:إذا ذكرت النار اشتد خوفى،و إذا ذكرت الجنة اشتد شوقى،فلا أقدر أن أنام،و قال ذو النون المصري رحمه اللّه
منع القران بوعده و وعيده مقل العيون بليلها أن تهجعا
فهموا عن الملك الجليل كلامه فرقابهم ذلت إليه تخضعا
و أنشدوا أيضا:
يا طويل الرقاد و الغفلات كثرة النوم تورث الحسرات
إن في القبر إن نزلت إليه لرقادا يطول بعد الممات و مهادا ممهدا لك فيه
بذنوب عملت أو حسنات أ أمنت البيات من ملك الموت و كم نال آمنا ببيات
و قال ابن المبارك:
إذا ما الليل أظلم كابدوه فيسفر عنهم و هم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا و أهل الأمن في الدنيا هجوع
الثالث:أن يعرف فضل قيام الليل
بسماع الآيات و الأخبار و الآثار،حتى يستحكم به رجاؤه و شوقه إلى ثوابه فيهيجه الشوق لطلب المزيد و الرغبة في درجات الجنان،كما حكى أن بعض الصالحين رجع من غزوته،فمهدت امرأته فراشها و جلست تنتظره،فدخل المسجد و لم يزل يصلى حتى أصبح فقالت له زوجته كنا ننتظرك مدة،فلما قدمت صليت إلى الصبح قال و اللّه إنى كنت أتفكر في حوراء من حور الجنة طول الليل فنسيت الزوجة و المنزل فقمت طول ليلتي شوقا إليها
الرابع:و هو أشرف البواعث الحب للّٰه
و قوة الإيمان بأنه في قيامه لا يتكلم بحرف إلا و هو مناج ربه،و هو مطلع عليه مع مشاهدة ما يخطر بقلبه،و ان تلك الخطرات من اللّه تعالى خطاب معه فإذا أحب اللّه تعالى أحب لا محالة الخلوة به،و تلذذ بالمناجاة،فتحمله لذة المناجاة بالحبيب على طول القيام و لا ينبغي أن تستبعد هذه اللذة إذ يشهد لها العقل و النقل فأما العقل:فليعتبر حال المحب لشخص بسبب جماله،أو لملك بسبب إنعامه و أمواله أنه كيف يتلذذ به في الخلوة و مناجاته،حتى لا يأتيه النوم طول ليله فإن قلت إن الجميل يتلذذ بالنظر إليه،و إن اللّه تعالى لا يرى فاعلم أنه لو كان الجميل المحبوب وراء ستر،أو كان في بيت مظلم،لكان المحب يتلذذ بمجاورته