إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٢ - كتاب آداب الأكل
>بسم اللّه الرحمن الرحيم كتاب آداب الأكل< و هو الأوّل من ربع العادات من كتاب إحياء العلوم الحمد للّٰه الذي أحسن تدبير الكائنات،فخلق الأرض و السموات،و أنزل الماء الفرات من المعصرات،فأخرج به الحب و النبات،و قدر الأرزاق و الأقوات،و حفظ بالمأكولات قوى الحيوانات،و أعان على الطاعات و الأعمال الصالحات بأكل الطيبات.و الصلاة على محمد ذي المعجزات الباهرات،و على آله و أصحابه صلاة تتوالى على ممر الأوقات،و تتضاعف بتعاقب الساعات.و سلم تسليما كثيرا.
أما بعد:فان مقصد ذوي الألباب لقاء اللّه تعالى في دار الثواب.و لا طريق إلى الوصول للقاء اللّه إلا بالعلم و العمل،و لا تمكن المواظبة عليهما إلا بسلامة البدن،و لا تصفو سلامة البدن إلا بالأطعمة و الأقوات،و التناول منها بقدر الحاجة على تكرر الأوقات،فمن هذا الوجه قال بعض السلف الصالحين إن الأكل من الدين،و عليه نبه رب العالمين بقوله و هو أصدق القائلين كُلُوا مِنَ الطَّيِّبٰاتِ وَ اعْمَلُوا صٰالِحاً [١]فمن يقدم على الأكل ليستعين به على العلم و العمل،و يقوى به على التقوى،فلا ينبغي أن يترك نفسه مهملا سدى،يسترسل في الأكل استرسال البهائم في المرعى،فان ما هو ذريعة إلى الدين و وسيلة إليه،ينبغي أن تظهر أنوار الدين عليه.و إنما أنوار الدين آدابه و سننه التي يزم العبد بزمامها،و يلجم المتقي بلجامها حتى يتزن بميزان الشرع شبوة الطعام في إقدامها و احجامها،فيصير بسببها مدفعة للوزر و مجلبة للأجر،و إن كان فيها أوفى حظ للنفس.قال صلى اللّٰه عليه و سلم[١]«إنّ الرّجل ليؤجر حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه و إلى في امرأته»و إنما ذلك إذا رفعها بالدين و للدين، مراعيا فيه آدابه و وظائفه.و ها نحن نرشد إلى وظائف الدين في الأكل،فرائضها و سننها و آدابها و مروءاتها و هيئاتها،في أربعة أبواب و فصل في آخرها.
[١] المؤمنون:٥١