إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٢ - الخامس أن الزيف نعني به ما لا نقرة فيه أصلا
الأول:انه إذا رد عليه شيء منه،فينبغي أن يطرحه في بئر
،بحيث لا تمتد إليه اليد.و إياه أن يروجه في بيع آخر.و إن أفسده بحيث لا يمكن التعامل به جاز
الثاني:أنه يجب على التاجر تعلم النقد
،لا ليستقصى لنفسه،و لكن لئلا يسلم إلى مسلم زيفا و هو لا يدرى،فيكون آثما بتقصيره في تعلم ذلك العلم.فلكل عمل علم به يتم نصح المسلمين،فيجب تحصيله .و لمثل هذا كان السلف يتعلمون علامات النقد،نظرا لدينهم لا لدنياهم
الثالث:أنه ان سلّم و عرف المعامل أنه زيف
،لم يخرج عن الإثم.لأنه ليس يأخذه الا ليروجه على غيره و لا يخبره.و لو لم يعزم على ذلك لكان لا يرغب في أخذه أصلا،فإنما يتخلص من اثم الضرر الذي يخص معامله فقط
الرابع:أن يأخذ الزيف
ليعمل بقوله صلّى اللّه عليه و سلم[١]«رحم اللّه امرأ سهل البيع سهل الشّراء سهل القضاء سهل الاقتضاء »فهو داخل في بركة هذا الدعاء ان عزم على طرحه في بئر.و إن كان عازما على أن يروجه في معاملة فهذا شر روجه الشيطان عليه في معرض الخير، فلا يدخل تحت من تساهل في الاقتضاء
الخامس:أن الزيف نعني به ما لا نقرة فيه أصلا
،بل هو مموه،أو ما لا ذهب فيه،أعنى في الدنانير .أما ما فيه نقرة،فان كان مخلوطا بالنحاس و هو نقد البلد،فقد اختلف العلماء في المعاملة عليه،و جل رأينا الرخصة فيه إذا كان ذلك نقد البلد سواء،علم مقدار النقرة أو لم يعلم.و ان لم يكن هو نقد البلد لم يجز،الا إذ علم قدر النقرة فان كان في ماله قطعة نقرتها ناقصة عن نقد البلد،فعليه أن يخبر به معامله ،و أن لا يعامل به الا من لا يستحل الترويج في جملة النقد بطريق التلبيس.فأما من يستحل ذلك فتسليمه إليه تسليط له على الفساد،فهو كبيع العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرا.و ذلك محظور و اعانة على الشر و مشاركة فيه.و سلوك طريق الحق بمثال هذا في التجارة،أشد من المواظبة على نوافل العبادات و التخلي لها.
و لذلك قال بعضهم:التاجر الصدوق أفضل عند اللّه من المتعبد و قد كان السلف يحتاطون في مثل ذلك،حتى روى عن بعض الغزاة في سبيل اللّه أنه قال:حملت على فرسى لأقتل علجا