إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٧ - الفائدة الثانية التحصن عن الشيطان
و قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث،أدخله اللّه الجنّة بفضل رحمته إيّاهم قيل يا رسول اللّه و اثنان قال و اثنان» و حكى أن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج فيأبى برهة من دهره،قال فانتبه من نومه ذات يوم،و قال زوّجونى زوجوني فزوّجوه،فسئل عن ذلك،فقال لعل اللّه يرزقني ولدا و يقبضه،فيكون لي مقدمة في الآخرة،ثم قال رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت و كأنى في جملة الخلائق في الموقف،و بي من العطش ما كاد أن يقطع عنقي،و كذا الخلائق في شدة العطش و الكرب،فنحن كذلك إذ ولدان يتخللون الجمع،عليهم مناديل من نور و بأيديهم أباريق من فضة،و أكواب من ذهب،و هم يسقون الواحد بعد الواحد،يتخللون الجمع،و يتجاوزون أكثر الناس،فمددت يدي إلى أحدهم،و قلت اسقني فقد أجهدنى العطش فقال ليس لك فينا ولد انما نسقي آباءنا،فقلت و من أنتم؟فقالوا نحن من مات من أطفال المسلمين.و أحد المعاني المذكورة في قوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ [١]تقديم الأطفال إلى الآخرة .
فقد ظهر بهذه الوجوه الأربعة،ان أكثر فضل النكاح لأجل كونه سببا للولد
الفائدة الثانية:التحصن عن الشيطان
،و كسر التوقان،و دفع غوائل الشهوة،و غض البصر و حفظ الفرج،و إليه الإشارة بقوله عليه السلام«من نكح فقد حصّن نصف دينه،فليتّق اللّه في الشّطر الآخر»و إليه الإشارة بقوله«عليكم بالباءة،فمن لم يستطع فعليه بالصّوم فإنّ الصّوم له و جاء » و أكثر ما نقلناه من الآثار و الاخبار إشارة إلى هذا المعنى،و هذا المعنى دون لأول ، لان الشهوة موكلة بتقاضي تحصيل الولد،فالنكاح كاف لشغله،دافع لجعله،و صارف لشر سطوته.و ليس من يجيب مولاه رغبة في تحصيل رضاه،كمن يجيب لطلب الخلاص عن غائلة التوكيل.فالشهوة و الولد مقدران،و بينهما ارتباط .و ليس يجوز أن يقال المقصود اللذة و الولد لازم منها،كما يلزم مثلا قضاء الحاجة من الأكل،و ليس مقصودا في ذاته،بل الولد هو المقصود بالفطرة و الحكمة،و الشهوة باعثة عليه
[١] البقرة:٢٢٣