إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٧ - (الثالث) أن لا يكتم في المقدار شيئا
الجنّة »قيل و ما اخلاصه؟قال«أن يحرزه عمّا حرّم اللّه»و قال أيضا«ما آمن بالقرءان من استحلّ محارمه»و من علم أن هذه الأمور قادحة في ايمانه،و ان ايمانه رأس ماله في تجارته في الآخرة،لم يضيع رأس ماله المعد لعمر لا آخر له،بسبب ربح ينتفع به أياما معدودة و عن بعض التابعين أنه قال،لو دخلت الجامع و هو غاص بأهله،و قيل لي من خير هؤلاء؟لقلت من أنصحهم لهم؟فإذا قالوا هذا،قلت هو خيرهم.و لو قيل لي من شرهم؟ قلت من أغشهم لهم؟فإذا قيل هذا،قلت هو شرهم و الغش حرام في البيوع و الصنائع جميعا.و لا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه.بل ينبغي أن يحسن الصنعة و يحكمها ثم يبين عيبها ان كان فيها عيب.فبذلك يتخلص.و سأل رجل حذاء بن سالم فقال،كيف لي أن أسلم في بيع النعال؟فقال اجعل الوجهين سواء،و لا تفضل اليمنى على الأخرى،و جوّد الحشو،و ليكن شيئا واحدا تاما،و قارب بين الخرز،و لا تطبق إحدى النعلين على الأخرى.و من هذا الفن ما سئل عنه أحمد بن حنبل رحمه اللّه من الرفو بحيث لا يتبين ،قال لا يجوز لمن يبيعه أن يخفيه، و انما يحل للرفاء إذا علم أنه يظهره،أو أنه لا يريده للبيع فان قلت:فلا تتم المعاملة مهما وجب على الإنسان أن يذكر عيوب المبيع فأقول:ليس كذلك.إذ شرط التاجر أن لا يشترى للبيع إلا الجيد الذي يرتضيه لنفسه لو أمسكه ثم يقنع في بيعه بربح يسير،فيبارك اللّه له فيه،و لا يحتاج إلى تلبيس.و انما تعذر هذا لأنهم لا يقنعون بالربح اليسير،و ليس يسلم الكثير إلا بتلبس.فمن تعود هذا لم يستر المعيب،فان وقع في يده معيب نادرا فليذكره،و ليقنع بقيمته .باع ابن سيرين شاة،فقال للمشتري،أبرأ إليك من عيب فيها انها تقلب العلف برجلها.و باع الحسن بن صالح جارية،فقال للمشتري،انها تنخمت مرة عندنا دما.
فهكذا كانت سيرة أهل الدين،فمن لا يقدر عليه فليترك المعاملة،أو ليوطن نفسه على عذاب الآخرة .
(الثالث) أن لا يكتم في المقدار شيئا
،و ذلك بتعديل الميزان و الاحتياط فيه.و في الكيل