إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٨ - (الثالث) أن لا يكتم في المقدار شيئا
فينبغي أن يكيل كما يكتال.قال اللّه تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ اَلَّذِينَ إِذَا اكْتٰالُوا عَلَى النّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ وَ إِذٰا كٰالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [١]و لا يخلص من هذا الا بان يرجح إذا أعطى و ينقص إذا أخذ.إذ العدل الحقيقي قلما يتصور.فليستظهر بظهور الزيادة و النقصان،فان من استقصى حقه بكماله يوشك أن يتعداه.و كان بعضهم يقول،لا أشترى الويل من اللّه بحبة فكان إذا أخذ نقص نصف حبة،و إذا أعطى زاد حبة.و كان يقول،ويل لمن باع بحبة جنة عرضها السموات و الأرض.و ما أخسر من باع طوبى بويل.و انما بالغوا في الاحتراز من هذا و شبهه،لأنها مظالم لا يمكن التوبة منها.إذ لا يعرف أصحاب الحبات حتى يجمعهم و يؤدى حقوقهم.و لذلك لما اشترى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم شيئا[١]قال للوزان لما كان يزن ثمنه«زن و أرجح » و نظر فضيل إلى ابنه و هو يغسل دينارا يريد أن يصرفه،و يزيل تكحيله و ينقيه حتى لا يزيد وزنه بسبب ذلك.فقال يا بني فعلك هذا أفضل من حجتين و عشرين عمرة.و قال بعض السلف،عجبت للتاجر و البائع كيف ينجو،يزن و يحلف بالنهار،و ينام بالليل.و قال سليمان عليه السلام لابنه،يا بني كما تدخل الحبة بين الحجرين،كذلك تدخل الخطيئة بين المتبايعين.
و صلى بعض الصالحين على مخنث ،فقيل له انه كان فاسقا،فسكت،فأعيد عليه،فقال كأنك قلت لي كان صاحب ميزانين،يعطى بأحدهما و يأخذ بالآخر.أشار به إلى أن فسقه مظلمة بينه و بين اللّه تعالى،و هذا من مظالم العباد.و المسامحة و العفو فيه أبعد.و التشديد في أمر الميزان عظيم،و الخلاص منه يحصل بحبة و نصف حبة و في قراءة عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه أَلاّٰ تَطْغَوْا فِي الْمِيزٰانِ وَ أقِيمُوا الْوَزْنَ بِاللِّساَنِ وَ لاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ أي لسان الميزان،فان النقصان و الرجحان يظهر بميله و بالجملة كل من ينتصف لنفسه من غيره و لو في كلمة،و لا ينصف بمثل ما ينتصف،فهو داخل تحت قوله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ اَلَّذِينَ إِذَا اكْتٰالُوا عَلَى النّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ [٢]الآيات.
[١] المطففين:١-٢-٣
[٢] المطففين:١-٢-٣