إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧ - الورد الثاني ما بين طلوع الشمس إلى ضحوة النهار
قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«إنّ للّٰه سبعين حجابا من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كلّ ما أدرك بصره»و تلك الحجب أيضا مترتبة،و تلك الأنوار متفاوتة في الرتب تفاوت الشمس و القمر و الكواكب،و يبدو في الأول أصغرها ثم ما يليه،و عليه أول بعض الصوفية درجات ما كان يظهر لإبراهيم الخليل صلّى اللّه عليه و سلم في ترقيه و قال:
(فلمّا جنّ عليه اللّيل)أي أظلم عليه الأمر.(رأى كوكبا)أي وصل إلى حجاب من حجب النور،فعبر عنه بالكوكب،و ما أريد به هذه الأجسام المضيئة،فان آحاد العوام لا يخفى عليهم أن الربوبية لا تليق بالأجسام،بل يدركون ذلك بأوائل نظرهم فما لا يضلل العوام لا يضلل الخليل عليه السلام،و الحجب المسماة أنوارا ما أريد بها الضوء المحسوس بالبصر بل أريد بها ما أريد بقوله تعالى: اَللّٰهُ نُورُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكٰاةٍ فِيهٰا مِصْبٰاحٌ [١]الآية و لنتجاوز هذه المعاني،فإنها خارجة عن علم المعاملة و لا يوصل إلى حقائقها الا الكشف التابع للفكر الصافي،و قل من ينفتح له بابه،و المتيسر على جماهير الحلائق الفكر فيما يفيد في علم المعاملة،و ذلك أيضا مما تغزر فائدته،و يعظم نفعه فهذه الوظائف الأربعة أعنى الدعاء و الذكر و القراءة و الفكر،ينبغي أن تكون وظيفة المريد بعد صلاة الصبح بل في كل ورد بعد الفراغ من وظيفة الصلاة،فليس بعد الصلاة وظيفة سوى هذه الأربع،و يقوى على ذلك بأن يأخذ سلاحه و مجنته،و الصوم هو الجنة التي تضيق مجاري الشيطان المعادي الصارف له عن سبيل الرشاد،و ليس بعد طلوع الصبح صلاة سوى ركعتي الفجر،و فرض الصبح إلى طلوع الشمس كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و أصحابه رضى اللّه عنهم يشتغلون في هذا الوقت بالأذكار[٢]و هو الأولى،إلا أن يغلبه النوم قبل الفرض و لم يندفع إلا بالصلاة فلو صلى لذلك فلا بأس به
الورد الثاني:ما بين طلوع الشمس إلى ضحوة النهار
،و أعنى بالضحوة منتصف ما بين طلوع الشمس إلى الزوال،و ذلك بمضي ثلاث ساعات من النهار إذا فرض النهار اثنتي عشرة ساعة و هو الربع،و في هذا الربع من النهار وظيفتان زائدتان
[١] النور:٣٥