الإحكام في أصول الأحكام - ابن حزم - الصفحة ٩٢٢
فصل في عظيم تناقضهم في هذا الباب قال أبو محمد : وبالجملة فإن مذهبهم في القياس ، ومذهبهم في دليل الخطاب ومذهبهم في الخصوص ، مذاهب يبطل بعضها بعضا ويهدم بعضها بعضا ، وذلك أنهم قالوا في القياس : إذا نص على حكم ما فنحن ندخل ما لا ينص عليه في حكم المنصوص عليه ، ونتبع السنة ما لا سنة فيه ، فإذا أوجب الربا في البر بالبر أوجبناه نحن في التبن بالتبن ، وإذا وجبت الكفارة ، على العامد في الصيد أوجبناه نحن على المخطئ ، وقالوا في دليل الخطاب : إذا نص على حكم ما فنحن نخرج ما لم ينص عليه من حكم المنصوص عليه ، ولا نتبع السنة ما لا سنة فيه .
فقالت طوائف منهم لا نزكي غير السائمة ، لأنه ذكرت السائمة في بعض الأحاديث .
وقالت طائفة منهم : لا نأكل الخيل ، لأنه إنما ذكر في الآية الركوب والزينة .
وقالت طوائف منهم : لا نقضي بالمتعة إلا التي طلقت ولم تمس ولا فرض لها لان هذه قد ذكرت بصفتها في بعض الآيات .
قال أبو محمد : وهذا ضد قولهم في القياس وإبطاله .
وقالوا في الخصوص : لا نقضي لجميع ما اقتضاه النص ، لكن نخرج منه بعض ما يقع عليه لفظ ، فقالوا في قوله تعالى : * ( إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت ) * إنما عنى الذكر من الأولاد دون الإناث .
وقالوا في قوله تعالى : * ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) * : إنما عنى من الأحرار لا من العبيد ، ومن الأباعد لا من الاخوة والآباء والأبناء والأزواج .
وقالوا في قوله تعالى : * ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) * وفي قوله تعالى : * ( والجروح قصاص ) * لا قصاص من جرح إلا من الموضحة فقط ولا قصاص من متلف ولا من لطم ولا من نتف شعر .
قال أبو محمد : وهذا مذهب يبطل قولهم في القياس وفي دليل الخطاب معا ونحن نرى إن شاء الله تعالى تناقضهم في مذاهبهم هذه في مسألة واحدة .