عوالم العلوم و المعارف - البحراني الأصفهاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ٨ - المقدّمة
الّذي يمكن للامّة أن تقرّره و تختاره ببساطة، معتمدة في ذلك على عقول أفرادها القاصرة و الخاضعة للأهواء المتباينة؛ بل صار لزاما على الامّة أن تخضع في ذلك لما يقرّره و يختاره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن اللّه جلّ و علا، و ذلك لأنّه سبحانه و تعالى يقول: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى [١] و قال أيضا: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ [٢]؛ و قال أيضا: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [٣].
و جدير بالذكر هنا أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يعلن بين الفينة و الاخرى عن وصيّه و خليفته- منذ الأيّام الاولى للدعوة الإسلاميّة- و كان أوّلها يوم أمره جلّ جلاله أن ينذر عشيرته الأقربين [٤] من العذاب الإلهي، و يدعوهم إلى عقيدة التوحيد قبل أن يبدأ دعوته العامّة للناس كافّة، و يومها قال (صلّى اللّه عليه و آله):
«أيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم»؟
فأحجم القوم، و قام الإمام عليّ (عليه السلام) و أعلن مؤازرته و تأييده، فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيده، و قال أمام الحاضرين: «إنّ هذا أخي و وصيّي و خليفتي فيكم».
ثمّ كان آخرها و أعظمها و أشهرها عند غدير خمّ يوم أعلنها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمام الملأ صرخة حقّ مدوية ما زال التاريخ يردّدها بشغف و تقدير، يوم أمره الباري تبارك و تعالى بتبليغ ما انزل إليه- من قبل- و علّق كلّ أعماله السابقة بل تمام نبوّته (صلّى اللّه عليه و آله) بأداء هذا الأمر الخطير و وعده العصمة من الناس.
و هنا تكمن جلالة هذا اليوم، و تتجلّى عظمة تلك الشخصيّة الّتي أرادها اللّه تعالى أن تكون خليفة لحبيبه و خاتم أنبيائه، و الّتي بنصبها كمل الدين و تمّت النعمة و رضي الربّ بالإسلام دينا.
[١] الليل: ١٢.
[٢] الحشر: ٧.
[٣] الأحزاب: ٣٦.
[٤] إشارة إلى قوله تعالى «وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» سورة الشعراء: ٢١٤.