عوالم العلوم و المعارف - البحراني الأصفهاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ٣٦٤ - تذييل و تكميل
الجواب عن السؤال الثالث:
فأمّا الحجّة على أنّ المراد بلفظة «مولى» في خبر الغدير «الأولى»:
فهي انّ من عادة أهل اللسان في خطابهم، إذا أوردوا جملة مصرّحة و عطفوا عليها بكلام محتمل بما تقدّم به التصريح و لغيره، فإنّهم لا يريدون بالمحتمل إلّا ما صرّحوا به من الخطاب المتقدّم.
مثال ذلك أنّ رجلا لو أقبل على جماعة، فقال:
أ لستم تعرفون عبدي فلانا الحبشي؟ ثمّ وصف لهم أحد عبيده، و ميّزه عنهم بنعت يخصّه صرّح به، فإذا قالوا: بلى. قال لهم عاطفا على ما تقدّم: فاشهدوا أنّ عبدي حرّ لوجه اللّه عزّ و جلّ، فإنّه لا يجوز أن يريد بذلك إلّا العبد الّذي سمّاه و صرّح بوصفه دون ما سواه، و يجري هذا المجرى قوله: فاشهدوا أنّ عبدي فلانا حرّ. و لو أراد غيره من عبيده لكان ملغزا غير مبيّن في كلامه.
و إذا كان الأمر كما وصفناه، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لم يزل مجتهدا في البيان، غير مقصّر فيه عن الإمكان، و كان قد أتى في أوّل كلامه يوم الغدير بأمر صرّح به، و قرّر امّته عليه، و هو أنّه أولى بهم منهم بأنفسهم، على المعنى الّذي قال اللّه تعالى في كتابه: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
ثمّ عطف على ذلك بعد ما ظهر من اعترافهم بقوله: «فمن كنت مولاه فعليّ مولاه» و كانت «مولى» تحتمل ما صرّح به في مقدّمة كلامه و تحتمل غيره، لم يجز أن يريد إلّا ما صرّح به في كلامه الذي قدّمه و أخذ إقرار امّته به دون سائر أقسام «مولى»؛ و كان هذا قائما مقام قوله: «فمن كنت أولى به من نفسه فعليّ أولى به من نفسه» و حاشا للّه أن لا يكون الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أراد هذا بعينه.
و وجه آخر: و هو أنّ قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):
«فمن كنت مولاه فعليّ مولاه» لا يخلو من حالين:
إمّا أن يكون أراد «بمولى» ما تقدّم به التقرير من «الأولى» أو يكون أراد قسما غير