عوالم العلوم و المعارف - البحراني الأصفهاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ٣٤٧ - المسلك الثالث ما قاله الصدوق، من وجود القرينة في الكلام، على أنّ المراد بالمولى الأولى
فإنّ للمرء أن يتصرّف في نفسه ما يشاء، و يتولّى من أمره ما يشاء.
فإذا حكم بأنّه أولى بهم من أنفسهم، يدلّ على أنّ له أن يأمرهم بما يشاء، و يدبّر فيهم ما يشاء في أمر الدين و الدنيا، و أنّه لا اختيار لهم معه، و هل هذا إلّا معنى الإمامة و الرئاسة العامّة؟
و أيضا لا يخفى على عاقل أنّ ما قرّرهم (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما أشار به إلى ما أثبت اللّه تعالى له في كتابه العزيز حيث قال: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ و قد أجمع المفسّرون على أنّ المراد به ما ذكرناه:
قال الزمخشريّ في كتاب «الكشّاف» [١]: النبيّ أولى بالمؤمنين في كلّ شيء من امور الدين و الدنيا من أنفسهم، و لهذا أطلق و لم يقيّد، فيجب عليهم أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم، و حكمه أنفذ عليهم من حكمها، و حقّه آثر لديهم من حقوقها، و شفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، و أن يبذلوها دونه و يجعلوها فداءه إذا أعضل خطب [٢] و وقاءه إذا لحقت حرب، و أن لا يتّبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم و لا ما تصرفهم عنه، و يتّبعوا كلّ ما دعاهم إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و صرفهم عنه، إلى آخر كلامه، و نحوه قال البيضاويّ و غيره من المفسّرين.
و قال السيّد:
فأمّا الدليل على أنّ لفظة أولى تفيد معنى الإمامة، فهو أنّا نجد أهل اللغة لا يضعون هذا اللفظ إلّا فيمن كان يملك [تدبير] ما وصف بأنّه أولى به، و ينفذ فيه أمره و نهيه، أ لا تراهم يقولون:
السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعيّة، و ولد الميّت أولى بميراثه من كثير من أقاربه، و مرادهم في جميع ذلك ما ذكرناه، و لا خلاف بين المفسّرين في أنّ قوله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
[١] ٣/ ٤١٤، عنه البحار: ٣٧/ ٢٤٥.
[٢] أعضل الأمر: اشتدّ و استغلق. و الخطب: الأمر العظيم.