عوالم العلوم و المعارف - البحراني الأصفهاني، الشيخ عبد الله - الصفحة ٢١ - (الإمامة من اللّه باختياره لا تتجاوز آل الرسول
ثمّ انتقلت الخلافة بعد ذلك بالوصاية مرة، و بالشورى مرّة اخرى؛ و قد عمل الحسد و الحقد في نفوسهم حتّى لكأنّهم لم يشفوا غليلهم بحرمان آل الرسول (صلوات اللّه عليهم) منها، بل لاحقوهم بالاضطهاد و الحرمان و القتل و التشريد.
فتعال معي اخي القارئ لننصت إلى آهات الزهراء (عليها السلام) بنت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و فلذّة كبده، يوم زفرتها و هي بين قبور الشهداء حيث كانت تزورهم بعد وفاة أبيها، و الحزن يملؤها و الآلام تعصرها، فلم تجد بدّا من ذرف الدموع السخينة كمدا و لوعة على فراق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و على ما لحقهم من غربة و ضياع بعده، تقول (عليها السلام):
«أما و اللّه لو تركوا الحقّ على أهله، و اتّبعوا عترة نبيّه، لما اختلف في اللّه اثنان و لورثها سلف عن سلف و خلف بعد خلف، حتّى يقوم قائمنا التاسع من ولد الحسين و لكن قدّموا من أخّره اللّه، و أخّروا من قدّمه اللّه، حتى إذا ألحدوا المبعوث، و أودعوه الجدث المجدوث [١]، اختاروا بشهوتهم و عملوا بآرائهم، تبّا لهم، أو لم يسمعوا اللّه يقول: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ؛ بل سمعوا، و لكنّهم كما قال سبحانه و تعالى:
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [٢].
هيهات بسطوا في الدنيا آمالهم، و نسوا آجالهم، فتعسا لهم و أضلّ أعمالهم. [٣]
و قد بقي أمير المؤمنين (عليه السلام) طيلة سنوات عمره الشريف يحتجّ بواقعة الغدير، و يستنشد في المنتديات و المحافل السامعين لها- ممّن كان قد حضرها- من الصحابة أن يذكّروا الناس بها، و يرووا لهم ما سمعوا من فم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان آخرها مناشدته (عليه السلام) يوم صفّين سنة ٣٧، و في كلّ مرّة كان يقوم من حضرها و يذكر ما سمع إلّا شرذمة كتمت شهادتها حنقا و سفها و خبثا؛
[١] أي: القبر المحفور.
[٢] الحج: ٤٦.
[٣] كفاية الأثر: ١٩٨، عنه عوالم العلوم: ١١/ ٤٤٣ ح ٣.