ديوان أبي طالب بن عبد المطلب - المهزمي، ابو هفان - الصفحة ٢٦ - المقدمة
«قال: فتقولون: لا إله إلا اللّه، و تخلعون ما تعبدون من دونه» .
«فصفّقوا بأيديهم ثم قالوا: أ تريد يا محمّد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟، إن أمرك لعجب، ثم قال بعضهم لبعض: إنه-و اللّه-ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا و امضوا على دين آبائكم حتى يحكم اللّه بينكم و بينه. ثم تفرّقوا» .
«فقال أبو طالب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: و اللّه يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شططا»
[٧٨].
و لما أحسّ أبو طالب بدنوّ أجله جمع قريشا عنده فأوصاهم بوصية مفصلة جامعة قال فيها:
«يا معشر قريش، أنتم صفوة اللّه من خلقه، و قلب العرب، فيكم السيد المطاع، و فيكم المقدّم الشجاع، و الواسع الباع. و اعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، و لا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، و لهم به إليكم الوسيلة، و الناس لكم حزب، و على حربكم الب» .
«و إني أوصيكم بتعظيم هذه البنيّة-يعني الكعبة-فإن فيها مرضاة للربّ، و قواما للمعاش، و ثباتا للوطأة، و صلوا أرحامكم و لا تقطعوها فإن في صلة الرحم منسأة-أي فسحة-في الأجل، و سعة في العدد، و اتركوا البغي و العقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم، و أجيبوا الداعي و أعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة و الممات، و عليكم بصدق الحديث و أداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص و مكرمة في العام» .
«و إني أوصيكم بمحمد خيرا فانه الأمين في قريش و الصّدّيق في العرب، و هو الجامع لكل ما أوصيتكم به، و قد جاء بأمر قبله الجنان و أنكره اللسان مخافة الشنان. و أيم اللّه كأني أنظر إلى صعاليك العرب و أهل الوبر في الأطراف و المستضعفين من الناس، قد أجابوا دعوته، و صدّقوا كلمته، و عظّموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش و صناديدها أذنابا، و دورها خرابا، و ضعفاؤها أربابا، و إذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، و أبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، و أصفت له فؤادها، و أعطته قيادها، دونكم-يا معشر قريش-ابن ابيكم، كونوا له ولاة، و لحزبه
[٧٨] السير و المغازي: ٢٣٦-٢٣٧ و سيرة ابن هشام: ٢/٥٨-٥٩ و تأريخ الطبري: ٢/٣٢٤.