خزانة الأدب و غاية الإرب - ابن حجة الحموي - الصفحة ١٨٧ - التّورية
و منه قول النبيّ، (صلى اللّه عليه و سلم) [١] ، حين سئل من [٢] مجيئه[عند خروجه] [٣] إلى بدر، فقيل لهم: ممّن أنتم؟فلم يرد أن يعلم السائل، فقال: «من ماء» [٤] ؛ أراد: «أنّا مخلوقون من ماء» ، فورّى عنه بقبيلة يقال لها: «ماء» . و منه ما روي عن النبيّ، (صلى اللّه عليه و سلم) [٥] ، أنّه قال: «لا يزال المنام طائرا حتّى يقصّ، فإذا قصّ وقع» [٦] . ففي الكلام توريتان، لفظة «طائر» و لفظة «يقصّ» ، و يحتمل أيضا أن[يكون] [٧] في لفظة «وقع» تورية ثالثة.
و منه قول أبي بكر [٨] ، رضي اللّه عنه [٩] ، في الهجرة، و قد سئل عن النبيّ، (صلى اللّه عليه و سلم) : من هذا؟فقال: هاد يهديني. أراد أبو بكر، رضي اللّه عنه [٩] ، «هاديا» يهديني إلى الإسلام، فورّى عنه بـ «هادي الطريق» ، و هو الدليل في السّفر.
و كانت خواطر المتقدّمين عن[نظم] [١١] التورية بمعزل [١٢] ، و أفكارهم مع صحّتها ما خيّمت عليها بمنزل، لكنّها ربّما وقعت لهم عفوا من غير قصد، لأنّهم على كلّ حال ولاة هذا الشأن و أدلّة هذا الركب. و قيل: إنّ أوّل من كشف غطاءها و جلا ظلمة إشكالها أبو الطيّب المتنبّي بقوله[من الطويل]:
برغم شبيب فارق السّيف كفّه # و كانا على العلاّت يصطحبان [١٣]
كأنّ رقاب الناس قالت لسيفه: # رفيقك [١٤] قيسيّ و أنت يماني [١٥]
يريد أنّ كفّ شبيب و سيفه متنافران، فلا يجتمعان، لأنّ شبيبا كان قيسيّا و السّيف يقال له [١٦] «يماني» ، فورّى به عن الرجل المنسوب إلى «يمن» ، و معلوم ما بين قيس
ق-الشاعر: [من الرجز]:
قد استوى بشر على العراق # من غير سيف و دم مهراق»
و قد كتب فوقها: «حاشية» .
[١] في ب: «صلّى اللّه عليه و آله و سلّم» .
[٢] في ب، د، ط، و: «في» .
[٣] من ط.
[٤] الحديث في البداية و النهاية لابن كثير ٣/ ٢٦٤؛ و تهذيب سيرة ابن هشام ص ١٤١؛ و فيهما: «نحن من ماء» .
[٥] في ب: «صلى اللّه عليه و آله و سلم» .
[٦] الحديث في شرح الكافية البديعية ص ١٣٥.
[٧] من ب، د، ط، و.
[٨] في ب: «أبي الصديق» مكان «أبي بكر» !
[٩] في ب: «رضي اللّه تعالى عنه» .
[١١] من ب، د، ط، و.
[١٢] في هـ د: «بيان: «بمعزل» .
[١٣] في ط: «مصطحبان» .
[١٤] في د: «خليلك» .
[١٥] البيتان في ديوانه ص ٤٧٥؛ و فيه:
«يمان» .
[١٦] «يقال له» سقطت من و، و ثبتت في-