خزانة الأدب و غاية الإرب - ابن حجة الحموي - الصفحة ١٨٥ - التّورية
القريب المتبادر أوّلا [١] إلى ذهن السّامع، و المراد غيره و هو المعنى البعيد المورّى عنه بالقريب، لأنّ مراده بـ «الحرف» الناقة، و بـ «حرف النون» تشبيه الناقة به في تقويسها و ضمورها، و بـ «راء» اسم الفاعل [٢] من «رأى» إذا ضرب الرّئة [٣] ، و بـ «دال» اسم الفاعل من «دلا يدلو» إذا رفق في السير، و بـ «الرسم» أثر الدار، و بـ «النقط» المطر؛ و معنى هذا البيت: أنّ هذه النّاقة لضعفها و انحنائها مثل نون تحت رجل يضرب رئتها [٤] ، و لم يرفق [٥] بها في السير، فهو غير دال، و قد تقدّم أنّ الدالي [٦] هو الرفيق، يؤمّ [٧] بها دارا [٨] غيّر المطر رسمها، و اجتماع هذه الأوصاف دليل على ضعف النّاقة، لأنّها لو كانت قويّة لما احتاجت إلى ضرب رئتها [٩] و إلى الرفق بها مع شدّة شوقه إلى ديار أحبابه، و ذلك باعث على شدّة السير.
قال [١٠] حذّاق الأدب: تراكيب التورية في هذا البيت بالنسبة إلى ديباجة المتأخّرين و طلاوة ألفاظهم و زخارف بيوتهم تستحقّ [١١] قول القائل [١٢] [من الطويل]:
و ما مثله إلاّ كفارغ حمّص [١٣] # خليّ من المعنى و لكن يفرقع [١٤]
لأنّ هذا النوع [١٥] ، أعني التورية، ما تنبّه لمحاسنه [١٦] إلاّ من تأخّر من حذّاق الشعراء و أعيان الكتّاب، و لعمري إنّهم بذلوا الطاقة في حسن سلوك الأدب إلى أن دخلوا إليه من باب، فإنّ التورية من أغلى فنون الأدب و أعلاها رتبة، و سحرها ينفث في القلوب و يفتح بها أبواب عطف و محبّة، و ما أبرز شمسها نقيّة [١٧] من غيوم النقد إلاّ كلّ ضامر مهزول، و لا أحرز قصبات سبقها [١٨] من المتأخّرين غير الفحول، و ممّا
[١] «أوّلا» سقطت من و، و ثبتت في هامشها مشارا إليها بـ «صح» .
[٢] في ب: «فاعل» ، و في هامشها:
«الفاعل» .
[٣] في د: «الرؤية» .
[٤] في د: «رؤيتها» .
[٥] في ط: «يرقف» .
[٦] في ب، د، ك، و: «الدال» .
[٧] في ب، د، ط، و: «و يؤمّ» .
[٨] في د: «دار» .
[٩] في د: «رؤيتها» .
[١٠] في د، و: «قالت» .
[١١] في ب، ط، و: «يستحقّ» .
[١٢] في ب، و: «الشاعر» .
[١٣] في ب: «بندق» ، و في هامشها:
«حمّص» .
[١٤] البيت لم أقع عليه في ما عدت إليه من مصادر.
[١٥] «النوع» سقطت من ب، و ثبتت في هامشها.
[١٦] في ب: «إلى محاسنه» .
[١٧] «نقيّة» سقطت من د، ط.
[١٨] «من غيوم... سبقها» سقطت من د.