خزانة الأدب و غاية الإرب - ابن حجة الحموي - الصفحة ١٧٥ - التّهذيب و التّأديب
قدر [١] الأجسام، و إذا عارضك الضجر فأرح نفسك، و لا تعمل إلاّ و أنت فارغ القلب، و لا تنظم إلاّ بشهوة، فإنّ الشهوة نعم المعين على حسن النظم، و جملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من الأشعار [٢] ، أشعار الماضين [٣] ، فما استحسن العلماء فاقصده، و ما استقبحوه فاجتنبه. انتهت وصيّة أبي تمّام.
و أورد العلاّمة زكي الدّين [٤] بن أبي الأصبع في كتابه المسمّى بـ «تحرير التحبير» [٥] وصيّة لنفسه، أوردها أيضا على نوع التهذيب و التأديب [٦] ، فاخترت [٧] منها ما هو اللائق بالحال، و أوّلها: ينبغي لك أيّها الرّاغب في العمل، السائل عن أوضح السّبل، أن تجعل [٨] المعنى قبل الشروع في النظم، و القوافي قبل الأبيات.
قلت: و هذا مذهبنا؛ ثمّ قال ابن أبي الأصبع [٩] : و لا تكره الخاطر على وزن مخصوص، و رويّ مقصود، و توخّ [١٠] الكلام الجزل دون الرّذل، و السّهل دون الصعب، و العذب دون المستكره، و المستحسن دون المستهجن؛ و لا تعمل نظما و لا نثرا عند الملل، فإنّ الكثير معه قليل، و النّفيس معه خسيس، و للخواطر [١١] ينابيع، إذا رفق بها جمّت، و إذا كثر استعمالها نزحت [١٢] ؛ و اكتب كلّ معنى يسنح [١٣] و قيّد كلّ فائدة تعرض [١٤] ، فإنّ نتائج الأفكار كلمعة البرق، و لمحة الطرف، و إن [١٥] لم تقيّدها شردت و ندّت، و إن لم تستعطف بالتكرار عليها صدّت؛ و التّرنّم بالشعر ممّا يعين عليه، فقد قال الشاعر[من البسيط]:
تغنّ بالشّعر إمّا كنت قائله # إنّ الغناء لقول الشّعر مضمار [١٦]
[١] في هـ ك: «مقدار» صحـ؛ و في ب، د، ط، و: «مقادير» .
[٢] «الأشعار» من ب، د، ط، و.
[٣] في د: «الماضيين» .
[٤] «العلامة زكيّ الدين» سقطت من ب.
[٥] في ب: «تحريره مكان «كتابه...
التحبير» .
[٦] «و التأديب» سقطت من ب.
[٧] في ب: «و اخترت» .
[٨] في ب، د، ط، و: «تحصّل» .
[٩] بعدها في د، ط: «قال» .
[١٠] في د، ك: «و توخّي» .
[١١] في ب، د، ط، و: «و الخواطر» .
[١٢] جمّت الينابيع و نزحت: كثرت و قلّت.
(اللسان ٢/٦١٤ (نزح) ؛ ١٢/١٠٥ (جمم) ) .
[١٣] في ب: «بنسخ» .
[١٤] في ب: «بفرض» .
[١٥] في ب، ط، و: «إنّ» ؛ و في د: «إذا» .
[١٦] البيت بلا نسبة في تحرير التحبير ص ٤١٣؛ و لحسّان بن ثابت في حاشيته ص ٤١٣؛ و لم أقع عليه في ديوانه.