فقه الشيعة - الموسوي الخلخالي، السيد محمد مهدي - الصفحة ٣٢٧ - الثاني الدم الأقل من الدرهم
الوافي والطبري من الدراهم غير الإسلامية[١]ثم جمع بينهما واتخذ منهما درهم وسط على وزن ستة دوانيق، واستقر أمر الإسلام عليه، وشاع في زمن عبد الملك بن مروان[٢].
[١]و لا ينافي ذلك تجديد عمر لضرب الدرهم في زمن خلافته سنة ١٨ من الهجرة كما ذكره المقريزي في شذور العقود-ص ٧ ط عام ١٣٨٧ في النجف الأشرف-لأنّه ضربه بسكة كسروية ونقشها، وكانت تسمى بالكسروية قبل الإسلام، وبالبغلية بعدها-كما يأتي عن الشهيد في الذكرى.
[٢]قال الشهيد في الذكرى: «عفي عن الدم
في الثوب والبدن عما نقص عن سعة الدرهم الوافي، وهو البغلي بإسكان الغين،
وهو منسوب إلى رأس البغل ضربه للثاني في ولايته بسكة كسروية، وزنته ثمانية
دوانيق والبغلية كانت تسمى قبل الإسلام الكسروية، فحدث لها هذا الاسم في
الإسلام، والوزن بحاله، وجرت في المعاملة مع الطبرية، وهي أربعة دوانيق،
فلما كان زمن عبد الملك جمع بينهما واتخذ الدرهم منهما واستقر أمر الإسلام
على ستة دوانيق. »الحدائق ج ٥ ص ٣٢٩، والنقود الإسلامية ص ١٢-١٣ ط-النجف
الأشرف عام ١٣٨٧.
و لا بأس بذكر ما عثرنا عليه مما حرر في ضرب الدراهم والدنانير الإسلامية وغيرها توضيحا للحال.
فنقول لا بأس بالإشارة إلى أمور: «الأوّل»في أوّل من أمر بضرب السكة في الإسلام.
لا يخفى أنّه قد اشتهر، بل كان من المسلم عند جماعة أنّ أوّل من ضرب السكة
في الإسلام هو عبد الملك بن مروان خامس خلفاء الأمويين، ولكنّ الحفريات كشف
عن سكوك إسلامية أقدم من زمانه، وكذا صرح بذلك جمع من الباحثين المحققين
في النقود الإسلامية، من المتقدمين والمتأخرين.
قال المقريزي-المتوفى سنة ٨٤٥ في رسالته(شذور العقود)-ما محصله: أنّه قد
جرى أمر الإسلام في بداية الأمر على المعاملة بالدراهم والدنانير الفارسية
والرومية وكان ذلك في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله واستمر الأمر على ذلك
إلى زمن عمر بن الخطاب، فأمر بضرب السكة في الإسلام سنة ١٨ من الهجرة في
البصرة، لكن على نقش الكسروية، ويظهر منه: أنّه أمر بتصغير الدرهم عما كانت
عليها من الوزن قبل الإسلام، إلاّ أنّه زاد فيها نقوش إسلامية ففي
بعضها«الحمد للّه»و في بعضها«محمد رسول اللّه»و في بعضها«لا إله إلاّ
اللّه»فلما بويع عثمان ضرب في خلافته دراهم نقشها«اللّه أكبر»فلما تولى
الأمر معاوية ضرب الدراهم السود الناقصة على ستة دوانيق سنة ٤١ ه فهؤلاء قد
استمروا على النقوش الكسروية-أعني تصوير الملك وبيت النار وغيرها-(لاحظ
كتاب النقود الإسلامية ط النجف الأشرف عام ١٣٨٧ ص ٧-١٠ والعقد المنير للسيد
المازندراني ص ٤٠-٤٣ وحياة الحيوان للدميري ج ١.
ص ٦٢ ط-سنة ١٣٨٢ والتمدن في الإسلام ج ١ ص ٩٨ ومجلة المقتطف ج ٤٩ ص ٥٨).
«الثاني»في أوّل من أمر بضرب السكة الإسلامية.
ثم إنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام لما أراد محو آثار
الشرك، وشعائر المجوسية والنصرانية عن السكك الإسلامية بالمرة أمر بضرب
الدراهم الإسلامية من دون نقوش كسروية، أو غيرها في سنة ٤٠ ه كما جاء ذلك
في دائرة المعارف البريطانية-ج ١٧ ص ٩٠٤ ط ٢٣ أو ١٣-أو سنة ٣٧ و٣٨ و٣٩ كما
عن تاريخ جودت باشا-ص ٢٧٦ في مجلة المقتطف ج ٤٩ ص ٥٨.
(لاحظ العقد المنير ص ٤٣-٤٨ والنقود الإسلامية ص ٦٢-٦٤ وهدية الأحباب للمحدث القمي ص ١١١ وأعيان الشيعة ج ٣ ص ٥٩٩ الطبعة الأولي).
و هو عليه السّلام الجدير بذلك، فإنّه أعلم الأمة بصلاحها وفسادها، وأولى
الناس بإقامة الأمت والعوج، وسد الثلم، فما اشتهر من أنّ عبد الملك هو أوّل
من صنع ذلك غير صحيح.
«الثالث»في أوّل من أمر بضرب السكة الإسلامية بصورة رسمية عامة.
ثم أنّه مع ذلك بقيت الدراهم والدنانير غير الإسلامية جارية في أيدي
المسلمين أيضا لمسيس الحاجة إليها، واستمر الأمر على ذلك إلى زمن عبد
الملك، وصعب عليه ذلك لعلّة ذكرها الدّميري في حياة الحيوان ج ١ ص ٦٢-٦٤ ط
عام ١٣٨٣ في أحوال عبد الملك عن البيهقي في المحاسن-و هي أنّ ملك الروم
هدده بنقش شتم النبي صلّى اللّه عليه وآله والإساءة إليه صلّى اللّه عليه
وآله على الدراهم والدنانير الرومية التي يؤتى بها إلى البلاد الإسلامية من
الروم، وذلك لما منع عبد الملك من طراز القراطيس التي كانت تطرز بمصر
بالطراز الرومية، إذ كانت تطرز عليها«أبا وابنا وروحا»، والقراطيس هي برد
تجعل ستورا وثيابا أو صحف من الفلز تصنع منها الأواني-كما في أقرب
الموارد-فشق على عبد الملك وجود الشعارات النصرانية على الأواني والثياب
والستور في بلاد المسلمين، فمنع عنها أشد المنع فلما عرف منه ملك الروم ذلك
هدده في كتاب كتبه إليه بما ذكرناه من أنّه سينقش شتم النبي صلّى اللّه
عليه وآله على الدراهم والدنانير التي تضرب في بلاد الروم، مقابلة بالمثل،
فاستشار عبد الملك أعوانه وأصحابه في ذلك فلم يجدوا له مخلصا، فالتجأ إلى
الإمام زين العابدين عليه السّلام وفي نقل آخر إلى الإمام الباقر عليه
السّلام في ذلك، وأشخصه من المدينة إلى الشام مكرما، فأشار إليه الإمام
عليه السّلام بأن يأمر الناس بالإعراض عن السكك الرومية بالمرة، والمعاقبة
على العملة بها، وأن يضرب السكك الإسلامية بصورة عامة في جميع البلاد،
فأبطل عبد الملك النقود الكسروية والقيصرية وأماطها عن سوق المسلمين، فضرب
الدنانير لأوّل مرة بسكة الإسلام سنة ٧٤ هـ-فنقش عليها طبقا لما نقش علي بن
أبي طالب عليه السّلام على الدراهم بسورة التوحيد ورسالة النبي الأعظم
صلّى اللّه عليه وآله وكذا ضرب الدراهم. وقال بعض أرباب السير: وكان ذلك
سنة ٧٦ ه كما عن ابن أثير والطبري في حوادث تلك السنة.
(لاحظ حياة الحيوان للدميري ج ١ ص ٦٢-٦٤ ط عام ١٣٨٣ والعقد المنير للسيد المازندراني ص ٤٩-٥٠ وص ٦٩-٧٦).
و سيأتيك-إن شاء اللّه تعالى-صور الدراهم والدنانير المضروبة في الإسلام وقبله في آخر الكتاب.