الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٨ - بنات لا تزوره في علته
فالتفت إليّ أبي ينظر ما عندي، فتمثّلت:
و إني ليلحاني على فرط حبّها
رجال أطاعتهم قلوب صحائح [١]
فنهض أبي مغضبا و ضمّني عمّي إليه، و قبّلني، و انصرفت إلى بنات، فحدّثتها بما جرى و عمّي يسمع، فأخذت العود، فغنّت:
يلومك في مودّتها أناس
لو أنّهم برأيك لم يلوموا [٢]
فيه ثقيل أوّل.
منى لومه:
قال أحمد بن سليمان، و عذلته عجوز لنا، يقال لها: منى، فقال لها: قومي، فانظري إليها، و اسمعي غناءها، ثم لوميني، فقامت معه، فرأتها، و سمعت غناءها فقالت له: لست أعاود لومك فيها بعد هذا، فأنشأ يقول:
و يوم سها عنه الزمان فأصبحت
نواظره قد حار عنها بصيرها
/ خلوت بمن أهوى به فتكاملت
سعود أدار النحس عنّا مديرها
أ ما تعذريني يا منى في صبابتي
بمن وجهها كالشمس يلمع نورها؟
تعمت الوسيلة بنات:
قال أحمد بن سليمان: كان لعمي كاتب يعرف بإبراهيم: نصرانيّ يأنس به، فسأل بنات مسألتها [٣] عمّي أن يجعل رزقه ألف درهم في الشّهر، فلمّا شرب أقداحا، و طرب و ثبت قائمة و قالت: يا سيدي لي حاجة، فوثب عمّي، فقام لقيامها، فقالت: تجعل رزق إبراهيم ألف درهم في الشهر، فقال: سمعا و طاعة، فجلست فأنشأ يقول:
قامت فقمت و لم أكن لو لم تقم
لأجلّ خلقا غيرها فأقوما [٤]
شفعت لإبراهيم في أرزاقه
فوددت أني كنت إبراهيما
فأجبتها إنّي مطيع أمرها
و أراه فرضا واجبا محتوما
ما كان أطيب يومنا و أسرّه
لو لم يكن بفراقها مختوما
قال: ثم إن عمي صار إلى أبي، فأخبره الخبر، فأمر أن يجعل لإبراهيم من ماله ألف درهم أخرى لشفاعتها.
بنات لا تزوره في علته:
أخبرني الصوليّ: قال: حدّثني إسماعيل بن الخصيب: قال: اعتلّ الحسن بن وهب، فلم تعلم بنات بذلك، و تأخّرت عن عيادته، فكتب إليها:
[١] يلحاني: يلومني.
[٢] في ف:
«يلومك في محبتها رجال»
. [٣] هج «مساءلة».
[٤] في نسخة:
«لأسف وعدا عندنا فأقوما»