الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٠ - الرشيد يلح في طلبها
التّخثّر [١] في وجهه، فقال لنا: استبقا إلى بيت بل إلى أبيات، فمن أصاب ما في نفسي فله عشرة آلاف درهم، قال:
فأشفقت [٢]، و منعتني هيبته، قال: فقال أبو حفص:
كلّما دارت الزجاجة زادت
ه اشتياقا و حرقة فبكاك
فقال: أحسنت فلك عشرة آلاف درهم.
قال: فزالت الهيبة عني، فقلت:
لم ينلك الرجاء أن تحضريني
و تجافت أمنيّتي عن سواك [٣]
فقال: للّه درّك! لك عشرون ألف درهم، قال: فأطرق مليّا، ثم رفع رأسه إليّ، فقال: أنا و اللّه أشعر منكما، ثم قال:
فتمنّيت أن يغشّيني اللّ
ه نعاسا لعلّ عيني تراك
الأصمعي يصرف الرشيد عنها:
أخبرني ابن عمار و الأخفش قالا: حدّثنا محمد بن يزيد عن المازني: قال:
قال الأصمعيّ: بعثت إليّ أمّ جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج بذكر هذه الجارية عنان، فإن صرفته عنها فلك حكمك. قال: فكنت أريغ [٤] لأن أجد للقول فيها موضعا، فلا أجده، و لا أقدم عليه هيبة له، إذ دخلت يوما فرأيت في وجهه أثر الغضب، فانخزلت، فقال: مالك يا أصمعيّ؟ قلت: رأيت في وجه أمير المؤمنين أثر غضب، فلعن اللّه من أغضبه! فقال: هذا الناطفيّ و اللّه، لو لا أني لم أجر في حكم قطّ متعمّدا لجعلت على كل جبل منه قطعة، و ما لي في جاريته أرب غير الشعر، فذكرت رسالة أمّ جعفر، فقلت له: أجل و اللّه ما فيها غير/ الشعر، أ فيسرّ أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق؟ فضحك حتى استلقى، و اتّصل قولي بأم جعفر فأجزلت لي الجائزة.
الرشيد يلح في طلبها:
أخبرني عمي و الحسن بن عليّ، قالا: حدّثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال: حدّثني محمد بن هارون، عن يعقوب بن إبراهيم:
أن الرشيد طلب من الناطفيّ جاريته، فأبى أن يبيعها بأقلّ من مائة ألف دينار، فقال: أعطيك مائة ألف دينار على أن تأخذ بالدينار سبعة دراهم، فامتنع عليه، و أمر أن تحمل إليه، فذكروا أنها دخلت مجلسه، فجلست في هيئتها تنتظره فدخل عليها، فقال لها: ويلك! إن هذا قد اعتاص عليّ في أمرك، قالت: و ما يمنعك أن توفيه و ترضيه؟ فقال: ليس يقنع بما أعطيه، و أمرها بالانصراف. فبلغني أن الناطفيّ تصدّق بثلاثين ألف درهم حين رجعت إليه، فلم تزل في قلب الرشيد حتى مات مولاها، فلما مات بعث مسرورا الخادم، فأخرجها إلى باب الكرخ،
[١] التخثر: غثيان النفس.
[٢] هج «فانثنينا» بدل «فأشفقت».
[٣] في هد «لم ينلني» بدل «لم ينلك».
[٤] أريغ: أطلب.