الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧١ - خطبة أخرى جامعة مانعة
المدينة، مررت بكم في زمن الأحول هشام بن عبد الملك، و قد أصابتكم عاهة في ثماركم فركبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم، فكتب بوضعها عنكم، فزاد الغنيّ غنى، و زاد الفقير فقرا، فقلتم: جزاكم الله خيرا، فلا جزاه اللّه خيرا،/ و لا جزاكم.
خطبة أخرى جامعة مانعة:
قال هارون: و أخبرني يحيى بن زكريا: أن أبا حمزة خطب بهذه الخطبة: رقي المنبر، فحمد اللّه، و أثنى عليه، و قال: أ تعلمون يا أهل المدينة، أنّا لم نخرج من ديارنا و أموالنا أشرا و لا بطرا و لا عبثا و لا لهوا، و لا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، و لا ثأر قديم نيل منا، و لكنّا لمّا رأينا مصابيح الحقّ قد عطّلت، و عنّف القائل بالحق، و قتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، و سمعنا داعيا يدعو إلى طاعة الرحمن و حكم القرآن، فأجبنا داعي اللّه (وَ مَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ) [١] فأقبلنا من قبائل شتّى، النفر منا على بعير واحد، عليه زادهم و أنفسهم، يتعاورون لحافا/ واحدا، قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا اللّه، و أيّدنا بنصره، و أصبحنا- و اللّه- بنعمته إخوانا، ثم لقينا رجالكم بقديد، فدعونا إلى طاعة الرحمن، و حكم القرآن و دعونا إلى طاعة الشيطان، و حكم مروان، و آل مروان، شتّان- لعمر اللّه- ما بين الغيّ و الرّشد، ثم أقبلوا يهرعون، و يزفّون، قد ضرب الشيطان فيهم بجرانه، و غلت بدمائهم مراجله، و صدق عليهم ظنّه، و أقبل أنصار اللّه عصائب و كتائب بكل مهنّد ذي رونق، فدارت رحانا و استدارت رحاهم، بضرب يرتاب منه المبطلون. و أنتم يا أهل المدينة، إن تنصروا مروان و آل مروان يسحتكم اللّه بعذاب من عنده أو بأيدينا و يشف صدور قوم مؤمنين، يا أهل المدينة: إن أوّلكم خير أوّل، و آخركم شرّ آخر، يا أهل المدينة، الناس منا و نحن منهم إلا مشركا عابد وثن، أو كافرا من أهل الكتاب، أو إماما جائرا، يا أهل المدينة، من زعم أن اللّه تعالى كلّف نفسا فوق طاقتها، أو سألها عمّا لم يؤتها فهو للّه عدوّ، و لنا حرب. يا أهل المدينة، أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها اللّه تعالى في كتابه على القويّ للضّعيف فجاء التاسع، و ليس له منها و لا سهم واحد، فأخذ جميعها [٢] نفسه مكابرا محاربا لربّه، ما تقولون فيه و فيمن عاونه على فعله؟
يا أهل المدينة، بلغني أنكم تنتقصون أصحابي، قلتم: هم شباب أحداث، و أعراب جفاة، ويحكم يا أهل المدينة! و هل كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، إلا شبابا أحداثا! شباب و اللّه مكتهلون في شبابهم، غضيضة عن الشرّ أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم، قد باعوا أنفسا تموت غدا بأنفس لا تموت أبدا، قد خلطوا كلالهم بكلالهم، و قيام ليلهم بصيام نهارهم، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلّما مروا بآية خوف شهقوا خوفا من النار؛ و إذا مروا بآية شوق شهقوا شوقا إلى الجنة، فلما نظروا إلى السيوف قد أنضيت؛ و إلى الرماح قد أشرعت و إلى السهام قد فوّقت؛/ و أرعدت الكتيبة بصواعق الموت استخفّوا و عيد الكتيبة عند وعيد اللّه، و لم يستخفّوا وعيد اللّه عند وعيد الكتيبة؛ فطوبى لهم و حسن مآب! فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها من خشية اللّه، و كم من يد قد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها راكعا و ساجدا. أقول قولي هذا، و أستغفر اللّه من تقصيرنا، و ما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت و إليه أنيب.
[١] الأحقاف: ٣٢.
[٢] كذا في ف و في س، ب «جميعهما».