الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٠٣ - بئس المغني عمرو الغزال
عبيد اللّه إذا لم يكن له نوبة، فأقبلت أتعجّب من ذلك، و اتّصلت خدمته إياه ثلاث سنين، ثم انصرفا يوما من الشّمّاسية مع عبيد اللّه بن جعفر، فلقيه الخضر بن جبريل، و كان في [١] الناس في العسكر، فعاتبه عبيد اللّه على تركه و انقطاعه عنه، فقال: و اللّه ما أفعل ذلك جهلا بحقك، و لا إخلالا بواجبك، و لكنا في طريقين متباينين لا يمكن معهما الاجتماع، قال: و ما هما ويحك؟ قال: أنت على نهاية السّرف في محبّة [٢] عمرو الغزال، و أنا على نهاية السّرف في بغضه [٢] و أنت تتوهم أنه لا يطيب لك عيش إلا به، و أنا أتوهم أني إن عاشرته ساعة متّ، و تقطعت نفسي غيظا و كمدا، و ما يستقيم مع هذا بيننا عشرة أبدا، فقال له عبيد اللّه: إذا كان هذا [٣] هكذا فأنا أعفيك منه إذا زرتني، فصر إليّ آمنا، ففعل، و لم يجلس عبيد اللّه حتى قال لحاجبه لا تدخل اليوم/ أحدا، و لا تستأذن عليّ لجلوسه و دخلنا، فلما وضعت المائدة لم يأكل ثلاث لقم، حتى دخل الحاجب فوقف بين يديه، و أقبل عمرو الغزال خلفه، فرآه من أقصى الصحن، فقال له عبيد اللّه: ثكلتك أمّك! أ لم أقل لك لا تدخل عليّ أحدا من خلق اللّه؟ فقال له الحاجب: امرأته طالق ثلاثا إن كان عنده أن عمرا عندك في هذا المجرى، و لو جاء جبريل و ميكائيل و كلّ من خلق اللّه لم يدخلوا عليك إلا بإذن سوى عمرو؛ فإنك أمرتني أن آذن له خاصة و أن يدخل متى شاء، و على كلّ حال.
قال: و لم يفرغ الحاجب من كلامه حتى دخل عمرو، فجلس على المائدة و تغيّر وجه الخضر، و بانت الكراهة فيه، فما أكل أكلا فيه خير، و تبيّن عبيد اللّه ذلك، و رفعت المائدة و قدّم النبيذ، فجعل الخضر يشرب شربا كثيرا لم أكن أعهده يشرب مثله،/ فظننت [٤] أنه يريد بذلك أن يستتر [٥] من عمرو الغزال، و عمرو يتغنّى، فلا يقتصر [٦] و كلما تغنى قال له عبيد اللّه: لمن هذا الصوت يا حبيبي؟ فيقول: لي و عندنا يومئذ جوار مطربات محسنات، و هو يقطع غناءهنّ بغنائه، و تبينت في وجه الخضر العربدة إلى أن قال عمرو بعقب صوت: هذا لي، فوثب الخضر و كشف استه و خزي في وسط المجلس على بساط خزّ لم أر لأحد مثله، ثم قال: إن كان هذا الغناء لك، فهذا الخراء لي، فغضب عبيد اللّه، و قال له: يا خضر أ كنت تستطيع أن تفعل أكثر من هذا؟ قال إي و اللّه أيها الأمير، ثم وضع رجليه على سلحه، ثم أخرجهما فمشى على البساط مقبلا و مدبرا، حتى خرج و قد لوّثه، و هو يقول: هذا كله لي، و تفرّقنا عن المجلس على أقبح حال و أسوئها، و شاع الخبر، حتى بلغ الرشيد، فضحك حتى غلب عليه، و دعا الخضر، و جعله في ندمائه منذ يومئذ، و قال: هذا أطيب خلق اللّه، و انكشف عنده عوار عمرو الغزال و استرحنا منه، و أمر أن يحجب عنه، فسقط يومئذ، و قد كان الجواري و الغلمان أخذوه و لهجوا به، و كان الرشيد يكايد به إبراهيم الموصلي و ابن جامع قبل ذلك فسقط غناؤه أيضا منذ يومئذ، فما ذكر منه حرف بعد ذلك اليوم إلا صنعته في:
يا ريح ما تصنعين بالدّمن
و لو لا إعجاب الرشيد به لسقط أيضا.
[١] في هج «فتى الناس».
(٢- ٢) التكملة من: هج.
[٣] في س، ب «إذا كان هكذا».
[٤] س، ب «فظننته».
[٥] في: هج «يستريح».
[٦] في هج «فلا يفتر».