موسوعة الامام الخوئي - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٨ - لا بد للنبي من إقامة المعجز
دالة على صدقه، وكاشفة عن رضا الحق سبحانه بنبوته.
وما ذكرناه قاعدة مطردة يجري عليها العقلاء من الناس فيما يشبه هذه
الأمور، ولا يشكّون فيها أبدا، فإذا ادعى أحد من الناس سفارة عن ملك من
الملوك في امور تختص برعيته، كان من الواجب عليه أولا أن يقيم على دعواه
دليلا يعضدها، حين تشك الرعية في صدقه، ولا بد من أن يكون ذلك الدليل في
غاية الوضوح، فإذا قال لهم ذلك السفير: الشاهد على صدقي أن الملك غدا
سيحيّيني بتحيته الخاصة التي يحيّي بها سفراءه الآخرين. فإذا علم الملك ما
جرى بين السفير وبين الرعية، ثم حيّاه في الوقت المعين بتلك التحية، كان
فعل الملك هذا تصديقا للمدعي في السفارة ولا يرتاب العقلاء في ذلك لأن
الملك القادر المحافظ على مصالح رعيته يقبح عليه أن يصدّق هذا المدعي إذا
كان كاذبا، لأنه يريد إفساد الرعية.
وإذا كان هذا الفعل قبيحا من سائر العقلاء كان محالا على الحكيم المطلق، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بقوله في كتابه الكريم:
{ وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنََا بَعْضَ اَلْأَقََاوِيلِ `لَأَخَذْنََا
مِنْهُ بِالْيَمِينِ `ثُمَّ لَقَطَعْنََا مِنْهُ اَلْوَتِينَ } «٦٩: ٤٤-٤٦».
والمراد من الآية الكريمة أن محمدا الذي أثبتنا نبوته، وأظهرنا المعجزة
لتصديقه، لا يمكن أن يتقوّل علينا بعض الأقاويل، ول وصنع ذلك لأخذنا منه
باليمين، ولقطعنا منه الوتين، فإن سكوتنا عن هذه الأقاويل إمضاء منا لها،
وإدخال للباطل في شريعة الهدى، فيجب علينا حفظ الشريعة في مرحلة البقاء،
كما وجب علينا في مرحلة الحدوث.