موسوعة الامام الخوئي - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٨٨ - القرآن والقواعد
يصدرها
وحين يتركها إلا أن أكثر مبادئ ذلك الفعل خارجة عن دائرة اختياره، فإن من
جملة مبادئ صدور الفعل نفس وجود الإنسان وحياته، وإدراكه للفعل، وشوقه
اليه، وملاءمة ذلك الفعل لقوة من قواه، وقدرته على إيجاده. ومن البيّن أن
هذا النوع من المبادئ خارج عن دائرة اختيار الإنسان، وأن موجد هذه الأشياء
في الإنسان ه وموجد الإنسان نفسه.
وقد ثبت في محله أن خالق هذه الأشياء في الإنسان لم ينعزل عن خلقه بعد
الإيجاد، وأن بقاء الأشياء واستمرارها في الوجود محتاج إلى المؤثر في كل
آن، وليس مثل خالق الأشياء معها كالبنّاء يقيم الجدار بصنعه، ثم يستغني
الجدار عن بانيه، ويستمر وجوده وإن فنى صانعه، أ وكمثل الكاتب يحتاج اليه
الكتاب في حدوثه، ثم يستغني عنه في مرحلة بقائه واستمراره. بل مثل خالق
الأشياء معها« وللّه المثل الأعلى»كتأثير القوة الكهربائية في الضوء. فإن
الضوء لا يوجد إلا حين تمده القوة بتيارها، ولا يزال يفتقر في بقاء وجوده
إلى مدد هذه القوّة في كل حين، فإذا انفصل سلكه عن مصدر القوة في حين،
انعدم الضوء في ذلك الحين كأن لم يكن. وهكذا تستمد الأشياء وجميع الكائنات
وجودها من مبدعها الأول في كل وقت من أوقات حدوثها وبقائها، وهي مفتقرة الى
مدده في كل حين، ومتصلة برحمته الواسعة التي وسعت كل شىءء. وعلى ذلك ففعل
العبد وسط بين الجبر والتفويض، وله حظ من كل منهما. فإن إعمال قدرته في
الفعل أ والترك وإن كان باختياره. إلا أن هذه القدرة وسائر المبادئ حين
الفعل تفاض من اللّه، فالفعل مستند الى العبد من جهة والى اللّه من جهة
اخرى والآيات القرآنية المباركة ناظرة الى هذا المعنى، وأن اختيار العبد في
فعله لا يمنع من نفوذ قدرة اللّه وسلطانه.