موسوعة الامام الخوئي - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٠٧ - مناقشة الآيات المدعى نسخها
٣-إن تفسير الإكراه في الآية بالمعنى الأول«ما يقابل الرضا»لا يناسبه قوله تعالى: { قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ } «٢: ٢٥٦».
الا بأن يكون المراد بيان علة الحكم، وان عدم الإكراه إنما ه ولعدم الحاجة
إليه من جهة وضوح الرشد وتبيّنه من الغي، وإذا كان هذا ه والمراد فلا يمكن
نسخه، فإن دين الإسلام كان واضح الحجة، ساطع البرهان من أول الأمر، إلا أن
ظهوره كان يشتد شيئا فشيئا، ومعنى هذا أن الإكراه في أواخر دعوة النبي صلّى
اللّه عليه وآله وسلّم أحرى بأن لا يقع لأن برهان الإسلام في ذلك العهد
كان أسطع، وحجته أوضح، ولما كانت هذه العلة مشتركة بين طوائف الكفار، فلا
يمكن تخصيص الحكم ببعض الطوائف دون بعض، ولازم ذلك حرمة مقاتلة الكفار
جميعهم، وهذه نتيجة باطلة بالضرورة.
فالحق: أن المراد بالإكراه في الآية ما يقابل الاختيار، وأن الجملة خبرية
لا إنشائية، والمراد من الآية الكريمة ه وبيان ما تكرر ذكره في الآيات
القرآنية كثيرا، من أن الشريعة الإلهية غير مبتنية على الجبر، لا في أصولها
ولا في فروعها، وإنما مقتضى الحكمة إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإيضاح
الأحكام ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة، ولئلا يكون للناس على
اللّه حجة، كما قال تعالى: { إِنََّا هَدَيْنََاهُ اَلسَّبِيلَ إِمََّا شََاكِراً وَ إِمََّا كَفُوراً } «٧٦: ٣».
وحاصل معنى الآية أن اللّه تعالى لا يجبر أحدا من خلقه على إيمان ولا
طاعة، ولكنه يوضح الحق يبينه من الغي، وقد فعل ذلك، فمن آمن بالحق فقد آمن
به عن اختيار، ومن اتبع الغي فقد اتبعه عن اختيار واللّه سبحانه وإن كان
قادرا على أن يهدي البشر جميعا- ول وشاء لفعل-لكن الحكمة اقتضت لهم أن
يكونوا غير