موسوعة الامام الخوئي - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢١٩ - دعوى وقوع التحريف من الخلفاء
وأما
دعوى وقوع التحريف بعد زمان الخلفاء فلم يدّعها أحد فيما نعلم، غير أنها
نسبت إلى بعض القائلين بالتحريف، فادّعى أن الحجاج لما قام بنصرة بني أمية
أسقط من القرآن آيات كثيرة كانت قد نزلت فيهم، وزاد فيه ما لم يكن منه،
وكتب مصاحف وبعثها إلى مصر، والشام، والحرمين، والبصرة، والكوفة، وإن
القرآن الموجود اليوم مطابق لتلك المصاحف. وأما المصاحف الاخرى فقد جمعها
ولم يبق منها شيئا ولا نسخة واحدة{١}.
وهذه الدعوى تشبه هذيان المحمومين، وخرافات المجانين والأطفال، فإن الحجاج
واحد من ولاة بني أمية، وه وأقصر باعا، وأصغر قدرا من أن ينال القرآن
بشيء، بل وه وأعجز من أن يغير شيئا من الفروع الإسلامية، فكيف يغير ما ه
وأساس الدين، وقوام الشريعة؟ ومن أين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك
الإسلام وغيرها مع انتشار الإسلام فيها وكيف لم يذكر هذا الخطب العظيم مؤرخ
في تاريخه، ولا ناقد في نقده مع ما فيه من الأهمية، وكثرة الدواعي إلى
نقله، وكيف لم يتعرض لنقله واحد من المسلمين في وقته، وكيف أغضى المسلمون
عن هذا العمل بعد انقضاء عهد الحجاج، وانتهاء سلطته؟.
وهب أنه تمكن من جمع نسخ المصاحف جميعها، ولم تشذ عن قدرته نسخة واحدة من
أقطار المسلمين المتباعدة، فهل تمكن من إزالته عن صدور المسلمين وقلوب حفظة
القرآن؟ وعددهم في ذلك الوقت لا يحصيه إلا اللّه، على أن القرآن ل وكان في
بعض آياته شىء يمس بني أمية، لاهتمّ معاوية بإسقاطه قبل زمان الحجاج وه
وأشد منه قدرة، وأعظم نفوذا، ولاستدل به أصحاب علي عليه السّلام على
معاوية، كما احتجوا عليه بما حفظه التاريخ، وكتب الحديث والكلام،
{١}مناهل العرفان: ص ٢٥٧.