تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ٦٢
الانحراف بالتدريج.
والتجربة ما زالت طريّة وفنية، ولا تستطيع أن تحصِّن نفسها ما لم تكن تحت إشراف وقيادة الطليعة المستوعبة المملوءة علماً وحقانيةً.
ولذا جاءت الكلمة الثالثة، جاءت شديدة، وجديّة، وقاطعة، ومؤكدة. جاءت يوم اجتمع المهاجرون والأنصار وألوف الأعراب، في أخطر وأهمّ وأكبر حشد اسلامي في تاريخ الرسالة كلّه.
اجتماع رهيب ومفاجئ، فيه الرسول (ص) وفيه المهاجرون، وفيه الأنصار، وفيه المسلمون جميعاً، وفيه الوحي يهبط بالكلمة على قلب الرسول.
{يَا اَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنْزِلَ اِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَاِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} مصير الرسالة كلّه يتوقف على هذه الكلمة، ولذا قال تعالى: {اِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} لقد صنعت الطليعة، هذه خطوة اُولى على الطريق.
والآن بلّغ ما أنزل اليك، إنَّ هذه الطليعة هي القائدة والموجّهة.
ونهض الرسول، كما نهض لإعلان البيان الأوّل في الإسلام، يوم هبط عليه الوحي {وَاَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَْقْرَبِينَ}، هنا نهضة مشابهة في خطورتها، وموقعها من الرسالة.
انظروا كيف نهض؟
نهض وهو واثق بأن الذين عارضوه أمس سيعارضوه اليوم، والذين سخروا منه أولا سيسخرون أخيراً، لكنه على أي حال نهض لأن الله يعصمه من الناس وانظروا كيف قال...؟
إنّه وضع الرسالة أمامهم، وكأنه يقول: انّ كلمتي هذه هي الخطوة الثانية في الرسالة، وهي تحديد مصير الرسالة كلّه: " أليس تشهدون أن لا اله الاّ الله وأن محمداً