تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٢٤
وجرياً مع الأطروحة التي أعطاها الرسول (ص)، وأرادها الوحي، في وضع قيادة التجربة الإسلامية بيد أهل البيت (ع).
وحينما جاء الإمام الحسن (ع) واضطرته الظروف السياسية ـ كما سنشرح ـ لأن يصالح معاوية صالح معاوية، لكن دون أن يعطيه أي قدر من الشرعية، وأي اعتراف بالقانونيّة.
صالحه على أن لا يدعوه بأمرة المؤمنين، وأمام الناس جميعاً قرئ كتاب الصلح، وكشف النقاب عن محتواه.
فقد جرّده إذن ـ ولو نظرياً ـ من إمرة المؤمنين، ومن الزعامة.
وحينما إشترط في الصلح أن تكون الخلافة له بعد معاوية، ثم لأخيه الحسين إن لم يكن هو في الوجود، كان ذلك كافياً لترسيخ المضمون الفكري للخط، وتحديده وتعميقه للناس رغم كل الحراجة والضغوط السياسية. إذن فالحسن الآن هو الخليفة الحقيقي، والزعيم الشرعي، ومن بعده الحسين، وليس لمعاوية شيء في ذلك سوى انّه غاصب، وغاصب فقط. كان المطلوب والمقصود في هذه المرحلة جرّ الرأي الإسلامي نحو الإعتراف بزعامة أهل البيت، واعتبارهم الممثل والزعيم والموجّه الحقيقي.
وكانت كلّ الخطوات مرسومة وموضوعة من أجل هذه الغاية، من علي وعمار وسلمان وأبي ذر، وإلى الحسن وأصحاب الحسن، ثم إلى الحسين (ع).
علي (ع) حين كان يدعو لنفسه، ويرشح نفسه، كان لا ينسى التأكيد على المحتوى الحقيقي للفكرة، فهو لا يرشح نفسه لأنّه علي، وانّما لأنّه واحد من أهل البيت الذي أعطيت لهم القيادة بوصفهم:
" القارئ لكتاب الله، الفقيه لدين الله، العالم بالسنّة... ".
بهذا الإتّجاه استخلف الحسن.
وبهذا الإتّجاه رفض الحسن أن يعترف لمعاوية ـ رغم انّه مضطر لمصالحته ـ