تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٤٨
صحيح انّ التضيحة قد تكون طريقة للبناء، وتعزيزاً للوجود، ووثيقة الإنتصار والخلود التاريخي، لكن هذا الكلام إنّما يصح حينما يكون المبدأ قد استكمل بمحتواه النظري، وحصن وجوده الخارجي من الفناء. أمّا إذا كان المبدأ يعيش في المهد فالتضحية بالنسبة له تعتبر انتحاراً، ومجازفة محرّمة.
ألسنا نعلم انّ الإسلام منع أنصاره حمل السلاح ومجابهة قريش، يوم كان المسلمون قلّة، لا يؤمن عليهم من الموت المستغرق، حتّى إذا هاجر الرسول إلى المدينة، وأصبح معلوماً انّ كلمة الإسلام قد رسخت أعلن الجهاد وحمل السيف.
والتشيع بعد الرسول (ص) يعيش بداياته التاريخية الأولى، ولم يكن واضحاً بعد حقيقة هذا الإتجاه، بل كان بحاجة إلى فترة زمنية تتضح من خلالها الأبعاد والتصوّرات الواقعية التي يحملها، ويؤمن بها.
كما أنّ السائرين في هذا الإتجاه لم يكونوا عدداً بمستوى يضمن بقاء بعضهم ليواصل السير، ويعلن للآخرين الحقيقة.
وإذا كان التشيع يعني الإسلام، كما أراده محمد (ص) والقرآن، فإنّ مصير الإسلام مربوط إذن بمصير التشيع، وانّ أي خطر يواجه التشيّع يواجه الإسلام بالذات. وحينئذ تكون التضحية بالتشيع تضحية بالإسلام، لأن الخطوط الأخرى التي لم تهضم الإسلام، ولم تستوعبه، ولم تندمج مع مفاهيمه وقيمه تماماً هي التي ستحكم، وهي التي ستشرح للأجيال مفاهيم الإسلام، وترسم لهم صورته، وتضع تفاصيله، وحينذاك تبدأ عملية التحريف ـ عمداً أو خطأً ـ وبالتدريج يفقد الإسلام لبّه وجوهره، وحيث لا يبقى منه الاّ القشور فإنّ الأمة سترفضه لا محالة، وهناك يموت تماماً.
انّ من الخطأ أن نعقد قياساً بين نهضة الامام ـ لو أراد أن ينهض ـ وبين نهضة الحسين (ع) مثلا.