تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ٢٩
أولا: ان كتب التأريخ والحديث الشيعية تذكر احتجاج الامام بالنصوص، كما وتروي احتجاج عدة من شيعته بها في الجامع النبوي.
ورغم ان ورود هذه الروايات في الكتب الشيعية لا يدعو إلى الثقة المطلقة بها من وجهة نظر الخصوم، ولا يكفي في الاعتماد عليها، الاّ أنه يدعو ـ لا أقل ـ إلى احتمال أن تكون المحاججات بالنصوص موجودة تأريخياً ثم أهملت عن عمد في كتب التأريخ التي دوّنتها أقلام غير شيعيّة كما نعتقده.
ثانياً: وفي الوقت الذي لم تذكر كتب التأريخ السنيّة الاحتجاج بالنص، نجدها لم تتعرض لذكر أي مناقشة ومكالمة جرت بين الامام والخلافة الحاكمة.
وهذا أمر يدعو إلى الشك في أمانة هذه الكتب في هذا المجال، لأن من غير المحتمل ولا المعقول أن يمتنع الامام وشيعته عن البيعة، ويتحصنون بدار فاطمة، وتهددهم القوى الحاكمة بأحراق الدار، ثم يخرجون منها قهراً، ويؤتى بعلي إلى الجامع، ويرغم علي على البيعة، ثم لا يبايع إلى ستة أشهر، رغم الضغط والاصرار والارهاب، وفي كل ذلك يبقى علي صامتاً لا يتكلم بشيء ولا يدلّل على وجهة نظره، ولا يدعم رأيه بحجة، بينما تدعوه كل الأمور لأن يتكلم وأن يناقش وأن يؤيد رأيه، ويدعم قوله.
ان أحداً لا يستطيع التصديق بأن علياً ظلَّ صامتاً ستة أشهر، إذن فيمَ المعارضة والامتناع عن البيعة؟ ولماذا؟ وكيف يطلب من الناس تأييده وتصديقه وهو لا يدفع الحجة بالحجة، ولا يقمع البرهان بالبرهان؟ وحينما أُوتي به إلى الجامع، وأُرغم على البيعة، ماذا قيل له؟ وماذا قال؟
انّ كتب التأريخ السنيّة هنا أيضاً ساكتة!
مع أن من البديهي بحسب منطق الأحوال والمناسبات ان كلاماً طويلا وحاداً جرى بين الامام وقوى الحكم، لكن كتب التأريخ أهملت ذلك.
لقد كان من الممكن والمعقول الثقة بكتب التأريخ السنيّة والاعتقاد