تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٢٣
وحين صارت الخلافة لعلي لم ينس ضرورة التأكيد على هذه الحقيقة ذلك انّ المسألة لم تكن مسألة خلافة وحكم، وإنّما أصبحت مسألة خطوط للتعبير عن الإسلام.
فخلافة السقيفة لم تحكم فقط وإنما رسمت للرسالة خطاً معيّناً، في المفاهيم، والأهداف، وطريقة فهم الشريعة عموماً، بينما علي (ع) لا يؤمن بذاك الخط ويرفضه، ونحن سنرى إن شاء الله ان حكم الشيخين أصبح فيما بعد هو المستقى الذي اخذت عنه المدرسة السنيّة مجموع تصوراتها عن الرسالة.
إذن فعلي حين جاء إلى الحكم وبمقدار ما كان يسعى عملياً وممارسة مسح الأخطاء والتحريفات المتقدّمة سعى نظرياً لتأكيد وجهة نظره في خلافة السقيفة. فأعلن صريحاً أنها خروج عن الخط الطبيعي الذي وضع للتجربة الإسلامية.
ولعل خطبة الشقشقيّة كانت من أوضح وآكد تصريحاته في هذا السبيل.
" أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة وانّه ليعلم انّ محلي منها محل القطب من الرحا، ينحدر عين السيل، ولا يرقى إليَّ الطير، فسلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتئي بين ان أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه... ".
ويستمر في عرض أصدق صورة عن خلافة السقيفة، حتّى ليوضح للناس انّه فكّر في مناهضتها ومقارعتها السيف.
وحين استشهد الإمام علي (ع) جاء الحسن (ع) ليؤكد للناس ان الفشل السياسي الذي أصيب به الخط لا يزعزع من قيمة الخط نفسه، ولا يقتضيه للانسحاب ونقض تصوّراته وقناعاته.
كان علي هو الذي أوصى للحسن (ع) واستخلفه، أشياقاً مع رأيه في الحكم، يوم قال:
" لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم ما كان منّا القارئ لكتاب الله... ".