تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٤٢
ثم آثر اعتزاله عن عمد، بل انّ الدلائل تشهد على انّ مؤتمر السقيفة أحيط بقدر كبير من الكتمان.
فالأنصار هم الذين سبقوا إلى عقده، دون أن يبعثوا إلى أحد من المهاجرين، وحين انتهى خبره إلى عمر بن الخطاب لم يرغب أن يخبر عنه سوى أبي بكر، ولقد كان جالساً في بيت له خارج مكَّة فأرسل إليه عمر من يقول له:
" حَدَثَ أمرٌ لابد أن تحضره ".
وفي الطريق صادفا أبا عبيدة فاصطحباه على ما تقول الرواية.
فأنت ترى انّ أحداً من الهاشميين وغيرهم من أنصار علي لم يقف على خبر السقيفة، بل وكلّ المهاجرين سوى هؤلاء الثلاثة.
والرسول الذي بعثه عمر لم يفصح للجالسين حقيقة ما حدث، انّما قال له: " حدث أمرٌ ".
حتّى انّ أبابكر (رض) اعتذر أولا، ثم أجاب حين أرسل إليه عمر ثانياً من يؤكد له ضرورة الخروج.
ولقد كانت مفاجئة لعلي، وشيعة علي، بل وعامة المسلمين ممن لم يحضر السقيفة، حينما أعلن عن بيعة أبي بكر، وربما تصوّر لنا الحال رواية البراء بن عازب حيث قال:
" لم أزل لبني هاشم محباً فلما قبض رسول الله (ص) تخوّفت أن يتمالا قريش على اخراج هذا الأمر عن بني هاشم، فأخذني ما يأخذ الواله العجول.. "[١].
وعلى هذا يكون من المؤكد انّ علياً حين لم يحضر السقيفة، كما لم يحضرها أحد من أنصاره ومؤيديه، لم يكن ذلك عن عدم قناعة بضرورة الحضور ظناً بفشل الاجتماع، وعدم توقع لخروجه بنتيجة حاسمة تزيحهم عن مقعد الحكم والقيادة.
[١] أعيان الشيعة، ٢٠: ٢٧٦ نقلا عن شرح النهج.