تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٨٥
مواجهة التيار أصبحت غير ممكنة والوقوف بوجه موجة التحلّل عديم النفع ولابد من حكم يقدّر ظروف وطبيعة المرحلة.
يعني; لابدّ من حكم أقل حديّة، وأقل التزاماً ببنود الشريعة، وأكثر تسامحاً مع هذا الإنحراف.
في سفره إلى الشام، رأى معاوية يتقلب في وجوه السرف والبذخ والأبهة، ويستشهد بحكم كسرى وقيصر.
فقال له: أكسروية يا معاوية؟!
والخليفة يعرف علياً، ويعرف منهج علي في الحكم.
كما كان يعرف عثمان، وميول عثمان، وطبيعة حكم عثمان.
انّ علياً لا يحكم بغير الرسالة، ولا يحيد عن طريقة القرآن والنبي (ص).
كان يقول لأصحابه:
" انكم لعمري لا تستخلفونه، والذي نفسي بيده لو استخلفتموه لأقامكم على الحق وإن كرهتم ".
ولكن في فهم عمر انّ المرحلة قد تجاوزت هذا المنهج في الحكم، ولم يعد هو القادر على مواصلة التجربة بسلام.
من هنا كان يقول: " انكم لعمرى لا تستخلفوه... ".
أمّا عثمان فالخليفة يعرف ماضيه وحاضره، يعرف ظاهره وباطنه، انّ رواسب الماضي مستحكمة فيه، وعواطفه القبلية ما تزال حيّة ومهيمنة، وتعامله مع الرسالة ليس جديّاً.
كان يقول له:
" كأنّي بك قد قلدتك قريش هذا الأمر فحملت بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس ".