تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ٢٧
أفضلية علي لا تبيح لهم على الاطلاق الدخول مع سائر المسلمين في حرب وفرض رأيهم بالقوة والسيف.
وإذا كان هناك مجال للمعارضة والتأخر عن البيعة لأن مجيء أبي بكر إلى الحكم لم يكن عن طريق الشورى العامة. فأن ذلك لا يمكن أن يكون مبرراً شرعياً لامتشاق السيوف، واعلان الحرب والانتصار لعلي بهذا الاسلوب مادام أمر الخلافة شورى بين المسلمين، لهم أن يختاروا من شاؤا.
أما علي وشيعة علي فكانوا يتحدثون بغير هذا المنطق.
كانوا يرون ان الحكم للامام وحده، وبلا منازع، وأي محاولة لصرف الحكم عنه تعتبر غير شرعيّة، يجب مناهضتها، ان اختصاص الخلافة بالامام أمرٌ مفروغ عنه، بلا حاجة حتّى إلى شورى. ولا مجال للاختيار، ويجب أن يصل الامام إلى حقّه المفروض له وإن نازع المنازعون، وعلى اساس هذا الفهم كانوا لا يتحرجون من القتال لو وجدوا أملا بالنصر.
وهذا ما لا يمكن تفسيره بفرض آخر غير ايمانهم بالنص على الامام من قبل الرسول (ص).
ومن غير الصحيح ولا الممكن القول بأنهم دعوا لعلي بتصور أن الحكم وراثي فيجب ان لا يخرج من عشيرة الرسول (ص).
لأن هذا الفرض لا يفسّر لنا لماذا كانت الدعوة لعلي دون العباس وهو عمّ النبي، وأقرب إليه؟ ولماذا كان العباس نفسه يدعو لابن عمه ولا يدعو لنفسه؟
على ان هذا التصور لطبيعة الحكم في الإسلام واعتباره وراثياً لا يملك أي مستند شرعي، فكيف يصح افتراض ان علياً وسائر رجال الحركة التزموا به وهم الذين استوعبوا الإسلام، وتجردوا عن نزعات وتقاليد الجاهلية.
ولو كان رجال الحركة ممن يعيش رواسب الماضي، وطريقة التفكير القبلي، وتكمن في أعماقهم نزعات الجاهلية، لأمكن قبول هذا الفرض، أمّا وهم الطليعة