تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١١٦
هذا نظرياً...
وعملياً كان لابدّ من خلق فئة واعية نموذجية، تجسّد مفاهيم الرسالة، وتشرحها للناس من خلال هذا التجسيد.
كان لابدّ من بناء قاعدة حصينة، وراسخة، تؤكد في الناس قيم الرسالة وتصوّراتها، وتحافظ على أمل الأمة برسالتها وبقادتها الحقيقيين، وحتّى لا تصاب بالإنهيار النفسي، واليأس من بلوغ الأهداف والأبعاد القصوى للرسالة.
هذه الفئة بنفس وجودها، تقنع الأمة بأن رسالتها حيّة، وسوف تبقى حيّة، وإنّ رسالتها رسالة واقعيّة، وجديرة بالنجاح في تربية الإنسان، وخلق المجتمع الملتزم، وليست رسالة متنكرة لدوافع الإنسان، وحاجاته، وغرائزه. وانّ رسول الله (ص) لم يكن رسولا لأنه ينزل عليه الوحي، وإنّما لأنّه اندمج مع الرسالة، فهو قدوة لكلّ الناس، وهو مَثَل ينبغي أن يسار باتجاهه.
وسوف تشترك هذه الفئة في مهمّة الرقابة الرسالية على الخلافة الحاكمة، تصحح، وتوجّه، وتنصح، وتردع، وتكشف للناس الأخطاء إذا تعذر عليها أن تصحح تلك الأخطاء.
وكان علي (ع) هو محور النشاط في هذه المهمّة، والعَصَب الرئيسي له.
كان هو القادر على انتزاع صفة الشرعية من الخلافة الحاكمة.
وكان هو القادر على تعزيز وتحصين الفئة النموذجية الواعية.
وكان هو القادر على أن يعرض نفسه للناس بوصفه القيادة الشرعية، والقيّم الحقيقي على الرسالة، والتعبير الصادق عن مفاهيمهما وتصوراتها.
وكانت الطليعة تلتفّ حول علي، تحصّن نفسها به، وتشترك معه بالتالي في مجموع المهمّات.
وسنرى الآن مقدار الجهد الذي بذله الإمام علي، وبذلته الكتلة الشيعية في هذا السبيل.