تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٥١
والحكم القائم لم يكن مستعداً للتنازل أمام علي، بل ولا الإصغاء إليه. وبأي مقصد كان ذلك فانّ علياً سوف لا يجد أمامه الاّ السيف.
والحكم القائم كان مضطراً لتحصين نفسه لضرب أي حركة مضادّة، وقمعها بقسوة، وبسرعة، حتّى ولو كان القائم بها هو الإمام علي (ع).
ثم انّ هناك قريش ـ وما أدراك ما قريش ـ مملوءة حقداً وحسداً وضغينة للإمام، فأين تراها ستكون؟
وسوى هذا الحقد والحسد والضغينة، فإنّها تعرف علياً جيداً، وتعرف مصيرها لو ولي الحكم علي. انّه لا يرى لها فضلا ولا كرامةً إلاّ بمقدار ما تعطي للإسلام، ثم هي ذات طمع في الحكم، ولو حكم علي فالأمر لن يصل إليها أبداً علي نفسه يحدّثنا عنها بالقول:
" انّها تنظر في صلاح شأنها، وتحتاط لمنافعها، فتقول: انّ ولي الأمر بنو هاشم لم يخرج منهم أبداً، فاذا كان في غيرهم تداولته بطون قريش ".
وهناك بنو أمية خاصة، وبينهم وبين بني هاشم عداء طويل، ولقد دعا أبو سفيان أولا لعلي، ثم ما لبث أن صافح الحكم القائم يوم أعفاه مما بيده من خمس نجران، وولى ابنه يزيد الشام.
وهناك المنافقون، وجود ضخم خطر طالماً أقلق الرسول أيام حياته. ولقد كانوا يُعرفون على عهده ببغضهم لعلي، وهم بعد الرسول أشدّ منهم أيامه، وأحرص على الوقيعة بالإسلام والمسلمين.
ولقد كان بغضهم لعلي بغضاً للرسالة، وبغضاً للرسول، فعلي يمثل الرسول، دمه ولحمه ونفسه، وهو منه بمنزلة هارون من موسى، وانّه لأخوه في الشدائد والملمات، كما أخوه في ساعة اليسر والعافية. وانّهم ليعلمون انّ طعنهم وتجريحهم لعلي ايذاءً للرسول، حتّى لقد كان يقول: " لا تؤذونني في علي " يكرّرها ثلاثاً، ثم لا