تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١٥٣
يشهد فقد بلّغه الشاهدون مقالة الرسول: " من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه.. ".
انّهم من هذا يعرفون علياً، لكن لا يعرفون منه الاّ انّه رجل سابق إلى الإسلام، وقريب إلى الرسول، وقد استخلفه من بعده:
أمّا حقيقة هذا الإستخلاف؟ أمّا موقع علي من الرسالة الذي دعا الرسول (ص) لأن يستخلفه، ولأن يأمر الأمة بلزومه عند الفتن؟
أمّا المخاطر التي ستترتب على صرف الحكم عنه، واعطاء القيادة لغيره فتلك أمور لا يعرفها الأعراب!
وفي نظرهم إذا كان علي سابق إلى الإسلام، فأبوبكر من السابقين أيضاً، ثم هو شيخ من شيوخ قريش، وقد رضعته قريش نفسها، وجدير بعلي أن يتنازل له عن حقّه، ولا يحدث فتنة في الأرض وفساد كبير.
من المؤكد انّ الأعراب يفهمون قضية علي بهذه الطريقة، حقّ شخصي، ربما اندفع الرسول (ص) إليه بوحي من عاطفة، وودّ يكنّهُ لعلي، ليس غير.
وإذا كانت المسألة تحتل هذا الموقع في أفكارهم وأنفسهم، فلا داعي حينئذ للحرص على خلافة علي، والتضحية من أجلها سوف لا تعني في نظرهم الاّ التضحية من أجل مصلحة شخصية يطمع فيها علي.
على انّ القوى الحاكمة ـ وهي قد سبقت إلى الحكم ـ سترسم للناس صورة علي كما لو كان صاحب فتنة، وداع للشقاق، وممزّق لصف المسلمين، في يوم أحوج ما يكونوا فيه إلى الوحدة والوئام.
وهي صورة قريبة إلى الصدق جداً فيمن لا يعرف حقيقة الأمر، وهم لا يعرفون بالطبع كما شرحنا.
ولئن قنع الأعراب بهذه الصورة، أو لا فإنّهم سيقبلون الشك في علي وفي ثورة علي لا أقل، وحينما يأتي الشك لا يبقى أحد مستعدّ للتضحية.