تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ٤٨
أمّا أبوذر فهو من نفس الطراز الرائع، طراز الرجل الرسالي الانساني الطموح.
أيضاً أجمع المؤرخون على أنه عَبَد الله مخلصاً قبل الإسلام، وهو كما كان سلمان، لم يعبد الله كما يعبده اليهود، وكما يعبده النصارى يومذاك، لقد عبد الله مخلصاً مخلصاً. بعيداً عن كل التعقيدات والتحريفات والضلالات. هو يحدّث: " صلّيت ـ يا ابن أخي ـ قبل أن القى رسول الله (ص) ثلاث سنين وحين سأله: أين تتوجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني الله ".
وكما كان سلمان كان أبوذر شغوفاً في معرفة أمر الرسول الجديد. لأنه يحمل الأهداف الرسالية، ويعي ضرورة الثورة والتغيير.
اُنظروا: " بايع النبي (ص) على أن لا تأخذه في الله لومة لائم، وعلى الحق وان كان مرّاً "[١].
أليس هذا دليل النضج الذاتي؟ وميزة البطل الرسالي؟
ولقد كان عمّار بنفس هذه المزايا والطموحات تألم، ووعي، وتصميم. وهذا هو النضج الذاتي قبل الرسالة.
لقد كان يترصَّد هو وأبوه أمر النبي الجديد الذي شاع أنه سيظهر لكنه لم يكن يترصَّد كما يترصَّد الأحبار والرهبان. كان يترصد لأجل الإنتماء، لأجل الإنضمام إلى الحركة الاصلاحية، إلى الرسالة الجديدة وكان يحدِّث أباه ويحدّثه أبوه بأخطاء الكيان الجاهلي التعيس، وكان يحدّث أباه كما يحدّث نفسه بالانتفاضة، بالنهضة، بالحركة الهادفة الاصلاحية، ومع أُناس من هذا القبيل تكون دعوة الرسالة مسموعة، ومقبولة بأسرع ما يكون القبول.
فهؤلاء أصحاب النضج الذاتي كلهم سابقون إلى الإسلام.
[١] اُسد الغابة في معرفة الصحابة.