تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ١١١
الخلافة الحاكمة في كثير من المنعطفات فله فهمه الخاص للشريعة، ولأسلوب الحكم، ولصلاحيّات الحاكم، مما لا يتفق مع تصوّرات الخلافة الحاكمة.
ولأنّ علياً من ناحية ثالثة له سابقة في الدين، وقرباً من رسول الله (ص)، ومجداً رسالياً متفرداً، مما أعطاه في نظر الناس كلّهم موضع الصدارة في الأمة، حتّى كان المهاجرون والأنصار لا يشكون في أنّه الرجل الثاني بعد الرسول (ص).
كلّ هذه الأمور جعلت الخلافة تتحفظ منه وتحذر.
فهي لا تنسى ماضيه معها، وانّه لم يبايعها الاّ مرغماً.
وهي لا تنسى موقعه عند الناس، وما يخلق لها ذلك من المشاكل.
وهي تعرف جيداً انّ علياً غير متفق معها في كثير من المواقف، ومن التصوّرات.
وانّها لتحسب لكل ذلك حساباً.
وعموماً كانت الخلافة الحاكمة تحذر كل منافس، وتحتاط لأدنى توقعات المنافسة، ومن السذاجة بل من العناد أن ننفي عن الخلافة الحاكمة هذه الخاصيّة، وانها لطبيعية في كلّ حكومة تريد لنفسها الثبات والإستمرار.
وانّا سنعود لهذا البحث في تحليل الموقف السياسي إن شاء الله.
أمّا الآن فنختصر القول في تحفظها من علي، ورصدها لنشاطه.
مما يلاحظ في هذا المجال انّ علياً لم يُبعد عن الحكم فقط، وانّما أُبعد عن المشاركة عموماً في النشاط السياسي والعسكري، وتلك ظاهرة ألفتت نظر الباحثين.
واستمرّت هذه الظاهرة في كلّ العهود الثلاثة عهد أبي بكر وعمر وعثمان.
والمعروف انّ أبابكر ألغى سهم ذوي القربى، كما أخذ فدكاً من الزهراء، وانّ لهذين العملين مدلولا سياسياً واضحاً.