تاريخ التّشيّع الفكري والسّياسي - القبانجي، صدر الدين - الصفحة ٤٦
التجربة الإسلامية. وفي كل أفراد الطليعة كان النضج الذاتي المسبق موجوداً كما كان موجوداً عند الرسول (ص) نفسه، على اختلاف في درجة العمق والوضوح.
من هم الطليعة؟
لسنا نحن الذين نعيّن الطليعة، إنّما الرسول هو الذي عيَّنهم واختارهم، ودورنا أن نكتشف هؤلاء الشخصيات. إن دراسة علاقة الرسول بأصحابه هي التي تهدينا لمعرفة الطليعة منهم.
وفي هذا الضوء يمكن اعتبار (علي وسلمان وأبي ذر وعمار) هم الطليعة المختارة والمعدّة لمواصلة خط التجربة الإسلامية، وربما أمكن أن نلحق بهم حذيفة بن اليمان والمقداد.
ان خاصية النضج الذاتي واضحة في هؤلاء، الأمر الذي يفسر لنا سرّ اختيارهم من قبل الرسول وإعدادهم شخصياً. كما يفسّر لنا عمق وجودهم في الإسلام والتحامهم مع الرسالة، فهماً وسلوكاً وخلقاً.
طبيعي انني لا اُريد هنا الترجمة لهؤلاء، ودراسة أطوار حياتهم ـ قبل الإسلام وفي الإسلام مع رسول الله (ص) وبعده ـ إنّما اُلفتُ النظر إلى خاصية النضج الذاتي فيهم.
أمّا علي (ع) فاعتقد انّ الحديث عنه تكرار في القول وزيادة فيما لا مزيد عليه، فهو وحده بين المسلمين جميعاً الذي لم يتلطخ بأدران الجاهلية، ولم يتدنس بقيمها ومفاهيمها.
ولذا فاني أتحدث عن الآخرين.
أتحدث عن سلمان الفارسي، وعمار، وأبي ذر.
المؤرخون يذكرون أن سلمان الفارسي عَبَد الله وأخلص له قبل الإسلام، وأنه قضى عمراً طويلا باحثاً عن النبي الجديد، الذي اُنبئ بقرب ظهوره، وهو بهذه الغاية تحمَّل كل المعاناة، ولم يمنعه حتّى الأسر من أن يواصل بحثه الجاد عن النبي